داره بالقصر يلعب فيها مع الصغار، وملك وما كلف خيله اضطراد ولا جشمها المغار، ثم كبر وظهرت منه أمور ينكرها العاقل ويكرهها الناقل لكثرة ما كان عليه أمره من الاختلال، وفكره السقيم من الاعتلال، فإنه كان في كل حين يحدث حكمًا محدثًا، وعلمًا كأنما كان بها محدثًا، فإنه كان مع إفراطه في التهور، وخباطه في أموره التي تدل على عدم التصوّر، بما حدث بأنواع من الحدثان، وتكلّم باسجاع مثل سجع الكهان وعبدة الأوثان، وبلغ مده في الكبرياء ثم بقي مدّة لا يأنف من مخالطة الأدنياء، وكان يركب حمارًا له، ويدور وقدامه عبدان بأيديهما حربتان، ويشق القاهرة ومصر، ويخالط العامة ويخرج إلى الحاجر ويطلع إلى الجبل، ثم ربما رد العبدين وسار وحده، وغاب اليوم واليومين والمدّة ثم يلاقيه الموكب إلى مكان يكون قد واعد إليه العبدين في وقت يوقته وميعاد لا يفوته، ثم كشف الغطاء وباح، ومال علوه (١) واستراح، وادّعى فيه الألوهية، وقال مقالة فرعون ونصب نفسه للناس طاغوتًا، وأخذ بعض الناس بالقول أخذًا مبغوتًا، وأمر بعض أشياعه بأن يحتال له في إظهار هذه المقالة، وضم إليه قومًا من الرجال القالة، فأتى ذلك الداعية الشيطان الرجيم، وأمر بأن يكتب بسم الله الحاكم الرحمن الرحيم، وجرى في هذا من الفتن ما ذهبت به نفائس ونفوس، وانتهبت به أموال ورؤوس، ودارت به دوائر سعود ونحوس، وأماير نعيم وبؤس، مما هو ملء التواريخ، وتتضع له غُر الذرى الشماريخ، تبارك الله وتعالى جده، ولا إله غيره، وتقدّس اسمه عما يقول الظالمون ويجهل الجهال أو يزلّ العالمون، ثم لما أعظم البلاء به فتفاقم، وسقم به الملك أو تساقم خافت أخته أمة العزيز المعروفة بست الملك أن يقفر منهم دست الملك فتلطفت في تلك الحيلة (٢). واكمَنَتْ له رجالًا حتى قتلته غيلة، وكان قد خرج في بعض مخارجه، وتعرض في نواحي حلوان، وطلب جهة بر لا يأنس به أنيس ولا غيره من الحيوان، ثم طالت غيبته وخالف عادته في ملاقاته في الوقت الذي كان يوقتُه، فتعهد المكان الذي واعد فيه للملتقى وتُفقد فَفُقد إلى يوم اللقا، ووجد هناك حماره وجبابه مزرّرة كأنها عليه، وما فُككِّت أزراره، إلا أن فيها آثار ضربات
= (١١) سنة، انظر ترجمته وأخباره في: نهاية الأرب ٢٨/ ١٦٧ - ٢٠٢ وأبو الفدا ٢/ ١٣٨ وابن الوردي ١/ ٣١٣ وخطط المقريزي ١/ ٢٩ وابن تغري بردي ٤/ ١٧٦ والنجوم الزاهرة لابن سعيد ص ٤٩ وكامل ابن الأثير ٧/ ٣٠٤ وابن خلكان ٥/ ٢٩٧. (١) كذا في الأصل، والعبارة مبهمة لم أتبين لها معنى. (٢) انظر التفاصيل في نهاية الأرب ٢٨/ ١٩٥.