وقد ذهب بعض الناس إلى أن هذه الدولة من بني أبي لهب بن عبد المطلب بن هاشم، وقيل بل هم من قريش، وليسوا لهاشم، وقيل بل هم من حُمَير، ثم من صنهاجة، والخلاف فيهم كثير، وها أنا أذكر أمر هؤلاء من أوله:
كان ابتداء أمرهم على يد أبي عبد الله الشيعي (١)، الملقب بالمحتسب، واسمه: الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الداعي ببلاد المغرب، والقائم بدولتهم، أصله من الكوفة، وقيل من رام هرمز من كور الأهواز.
قال الشريف أبو العباس أحمد بن الحسن الحسني الغرناطي: وكان رافضيًا خبيثًا، ذا عقل ودين صليب، وعلم بارع، وورع حاذق كدهن على ورم، وكان (له)(٢) أخٌ اسمه أحمد أَسَنّ منه وأعلم وأورع يقال له أبو العباس المخطوم، وكان بدء أمره بمكة، وتمامه بأيكجان (٣) من بلاد كتامة، حجّ فالتقى في مكة بقوم من كتامة سبعة، كانوا يتشيعون للحوالى (٤) داعية المغرب قبله بأزيد من مائة سنة، فلما سمعوا كلامه أحبوه، وتقرّبوا إليه، واتبعوه فخرج معهم إلى بلادهم، واحتل بلاد أيكجان نصف ربيع الأول سنة ثمانين ومائتين، فقال لهم: أين فج الأخيار؟ فعجبوا من علمه، فقالوا له: عند بني سكان (٥)، فقال: لهم نقصد، وعندهم ننزل، فلما قارب المكان، قال لهم: هذا فج الأخيار، وقال له موسى بن حريث: من أين علمته، ونحن ما ذكرناه لك، فقال لهم: أنتم الأخيار، ولكم سُمّي، فلما نزل به تسامع به الناس، ودخلوا إليه، فكان يُخبرهم بفضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة من ولده، ﵈، فكثر جمعه، وجيش جيشًا، وقاتل أهل إفريقية، فافتتح ميلة (٦) ثم سطيف (٧) ثم طُبنة (٨) ثم
(١) انظر ترجمة أبي عبد الله الشيعي في: ابن خلكان ١/ ١٦٢ وابن خلدون ٣/ ٣٦٢ وكامل ابن الأثير ٦/ ١٢٤ والبداية والنهاية ١١/ ١٨٠ ونهاية الأرب ٢٨/ ٧٧ - ١١٠. (٢) زيادة يقتضيها السياق. (٣) في الكامل ٦/ ١٢٧ ومعجم البلدان انكجان وايكجان تعني في البربرية حجاج، وكانت محل اجتماع الحجاج من الاندلس وشمال المغرب الاقصى بين طنجة وفاس. انظر: النجوم الزاهرة في حلى حضرة القاهرة ص ٣٥ هامش (٥). (٤) كذا في الأصل وهو في كامل ابن الأثير ٦/ ١٢٧: الحلواني. (٥) كذا في الأصل، وهو في نهاية الأرب ٢٨/ ٧٩: سكنان، وفي كامل ابن الأثير ٦/ ١٢٧: سليمان. (٦) ميلة: مدينة صغيرة بأقصى اقليم إفريقية (تونس) بين تاهرت والقيروان (ياقوت - ميلة) وانظر: خبر الاستيلاء عليها في كامل ابن الاثير ٦/ ١٢٨ ونهاية الأرب ٢٨/ ٩١. (٧) سطيف: مدينة صغيرة في جبال كتامة بين تاهرت والقيروان (ياقوت - سطيف) وانظر خبر الاستيلاء عليها في نهاية الأرب ٢٨/ ٩٣. (٨) أعظم بلاد الزاب، ولها حصن قديم عليه سور من حجر جليل ضخم متقن البناء، ولها أرباض =