للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لسوء الزمان، وخلّص كثيرًا من الأوقاف التي كان استولى عليها حتى فتح مدارس كانت قد أغلقت منذ أزمان منها: الصاحبية بسفح قاسيون، والدنيسرية للطب، وعمر الدوائر، ورمم المتماسك، وأمسك المتداعي، ونهض نهضة عازم، وقام مقامًا لم يقمه غيره، وفعل وقال، ولم يخش إلا الله.

وكانت امرأة مات أبوها، وخلّف لها عقارًا صالحًا، فأراد كافل الممالك تنكز أن يزوجها من مملوك له، وكانت هي لا تريد إلا ابن خال لها، وكان دونها في الملاء مع كفاية، (فزوجها القاضي) فغضب تنكز لذلك، وبعث ينكر عليه، وقال: كيف زوجت هذه بمن هو دونها؟! فقال لرسوله: قل له مثلما زوجت أنت مملوكك ببنت بيبرس العلائي، وكان بيبرس العلائي من كبار الأمراء النواب، فلما أعيد عليه الجواب زاد غضبه ولم يقدر يتكلم.

وكان يصدع بالحق، ولا يخاف لومة لائم، وولي القضاء ومذهب الإمام أحمد قد مات بموت العلماء، وخمل بقلة الفقهاء، فأحيا المذهب، وجعل هذا دأبه، وحلَّ أوقاف مدارسه المضمونة، وعمرها، وثمرها حتى نمت متحصلاتها وتضاعفت أجورها، وكثرت غلاتها، وأقام عليها الأمناء وولي أمورها للكفاة وتولاها بالعفاف والخبرة حتى درَّتْ إدراراتها، وتسهلت أرزاق الطلبة، ثم جعل من عرض عليه كتابًا في الفقه على مذهبه، أو في الحديث، أو في النحو جعالة، وجعل جعالة كل كتاب على قدره، فانصرفت الهم إلى الاشتغال بالعلم، وكثرت الطلبة، فلم يمض مدة حتى صلح منهم جماعة للإفتاء وبلغت طائفة منهم درجة الانتهاء، وتصدى بنفسه للجلوس للأشغال والعرض عليه، ومقابلة الكتب.

وكان يسمح لمن عرض عليه ويوصيه، ليزداد رغبة، وأخذ بقلوب الكبراء ورؤساء البلد، وقدم أماثل أبنائهم، واستشهد عليه أهل الخير منهم، فمالوا كلهم إليه، وأجمعوا دون قضاة بقية المذاهب عليه، وصار مجلسه مجلس الحكم والقضاء بدمشق، وصار مذهبه أظهر المذاهب، وكثر فيه أهل الإفتاء، وعلت سمعتهم، وجرى ذكره على لسان الخاص والعام، وضرب به المثل، وتقرب إلى الله بصالح العمل.

وكان مدة ولايته كلها على حال الأول، متقللًا من الدنيا، غير متكثر منها، ولا مكترث بها، ينزل من الجبل إلى المدينة ماشيًا برجله، ويطلع من المدينة إلى الجبل كذلك، فإن وجد تعبًا اكترى دابةً من حمير الكراء يركب عليها بالأجرة، ويمشي، والمئزر تحت إبطه، ويفرشه في مجلس الحكم، ويجلس عليه، وتقدم له محبرة من زجاج هي دواته التي يكتب منها، ويأكل مأكل الفقراء، ويقنع بالقليل.

<<  <  ج: ص:  >  >>