وقال أبو إسحاق الطبري: كان النجاد يصوم الدهر، ويفطر كل ليلة على رغيف، ويترك منه، فإذا كان ليلة الجمعة تصدق بذلك الرغيف، وأكل تلك اللقم التي استفضلها.
وكان إذا أملى الحديث في جامع المنصور يكثر الناس في حلقته حتى يغلق بابان من أبواب الجامع مما يليان حلقته.
وقال أبو بكر النجاد: ضقت وقتًا من الزمان، فمضيت إلى إبراهيم الحربي، فقصصت له قصتي، فقال لي: أعلم أنني ضقت يومًا حتى لم يبق معي إلا قيراط، فقالت الزوجة: فتش كتبك وانظر ما لا تحتاج إليه فبعه، فلما صليت عشاء الآخرة، جلست في الدهليز اكتب إذ طرق على الباب طارق، فقلت: من هذا؟ فقال: كلمني، ففتحت الباب، فقال لي: أطف السراج، فطفيته، فدخل الدهليز فوضع فيه كارةً، وقال لي: أعلم أننا أصلحنا للصبيان طعامًا، فأحببنا أن يكون لك وللصبيان فيها نصيب، وهذا أيضًا شيء آخر، فوضعه إلى جانب الكارة وقال: اصرفه في حاجتك، وأنا لا أعرف الرجل، وتركني وانصرف، فدعوت الزوجة، وقلت لها: أسرجي، فأسرجت، وجاءت وإذا الكارة منديل له قيمة، وفيه خمسون وسط في كل وسط لون من الطعام، وإذا إلى جانب الكارة كيس فيه ألف دينار.
قال النجاد: فقمت من عنده، ومضيت إلى قبر أحمد وزرته، ثم انصرفت، فبينا أنا أمشى على جانب الخندق إذ لقيتني عجوز من جيراننا، فقالت لي: أحمد، فأجبتها، فقالت: ما لك مغموم، فأخبرتها، فقالت: اعلم أن أمك أعطتني قبل موتها، وقالت: أخبئي هذه عندك، فإذا رأيت ابني مضيقًا مغمومًا، فأعطيه إياها، فتعال معي حتى أعطيك إياها، فمضيت معها، فدفعتها إلي.
توفي وقد كف بصره ليلة الثلاثاء لعشر بقين من ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة وعاش خمسًا وتسعين سنة، ودفن عند بشر الحافي.
ومنهم:
[١٢] عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم الخرقي (١)
صاحب المصنف الذي هو اليوم لأهل المذهب جادة الطريق، ومادة الفريق،
(١) ترجمته في: تاريخ بغداد ١١/ ٢٣٤ - ٢٣٥، وطبقات الفقهاء للشيرازي ١٧٢، وطبقات الحنابلة ٢/ ٧٥ ١١٨، والأنساب ٥/ ٩٢، وتاريخ دمشق (مخطوطة الظاهرية) ١٢/ ٣٥٢ أ، والمنتظم ٦/ ٣٤٦ رقم =