سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وأخرج يوم الجمعة، فصلى عليه بالمدرسة المستنصرية، وحضر جنازته خلق عظيم، ودفن بمقبرة الإمام أحمد.
[ومنهم:]
[٢٦] محمد بن محمد بن محمود بن قاسم البرزبي، الحنبلي، العلامة، شمس الدين، أبو عبد الله (١)
خطيُّ المجد المنبتُ أسلا، وطائر الشهد المجنى عسلا، لسان الفضل وقلمه، وعلم العدل وعلمه، ومثقف الشرع وسمهريه، وفاروق الحق وعبقريه، طال أرومة، وطاب جنّى وأكرومه، بلزوم طريقة تقفّي المجرّة عليها وتقف الجبال المشمخرة لديها، مَدَّ على مرمي الطرف سجافها، وأدار بكؤوس الصُّباح سلافها، بنهمةٍ حمد في طلب العلم إسرافها، وحد على مراقب النجوم أسفافها، الهمة لا قصور في باعها، ولا قصور إلا في رباعها، فما رَدَّت الغايات جماحه، ولا ردت بغير رياش السُّحب جناحه، إلى أن شط مزارًا، وقطوف الثريا دانية، ونشط بدارًا، وعصوف الرياح مُتوانية، فنزل من السماء في عليائها، وترك السحائب وراءه قطائع من إعيائها، ورسا كما رسا أبان، ووصل بشباب الليالي ذوائب شيبان.
ولد يوم الأحد منتصف شوال سنة إحدى وثمانين وستمائة. حفظ القرآن العظيم في صباه، واشتغل بالفقه، وحفظ «المقنع» وقرأ الأصلين، والعربية، واللغة، والمنطق، والطب وعلم التصوف، وبهر في ذلك.
وكان إمامًا، علامة، زاهدًا، كثير التلاوة للقرآن مع صلاة وصيام، وتهجد في الليل، شجاعًا، شهمًا، قوالًا بالحق، مهيبًا وقورًا، يتوقد ذكاء، وله اليد البارعة في جميع الفنون، وله الشعر الفائق والنظم الرائق مليح المذاكرة، حلو النادرة، سخي النفس.
سافر إلى بلاد الهند، وبحث مع علمائها، واستظهر عليهم في البحث، وأبان عن علم غزير، وفضل كثير، فأذعنوا له، وتقدم عليهم عند سلطانها، وأقروا له
(١) ترجمته في: ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٢٢٥، ومختصره ١٠٩، المنهج الأحمد ٤٤٠، الدر المنضد ٢/ ٤٩٢، الوافي بالوفيات ١/ ٢٣٧، الدرر الكامنة ٤/ ٢٣٨، تاريخ علماء المستنصرية ١/ ١٨١، المشتبه في الرجال ١/ ٦٢.