للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حصل من العلم جليله، وبل به غليله، وكان شعلة تشرق على غارب، وسلة من حسام بيد ضارب، وحلةً مسهمة ما أكنت مثلها الحلل، ولا المضارب.

ولد في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وستمائة، وحفظ القرآن الكريم وله سبع سنين، وأتقن العربية واللغة، وصار علامة في الفقه وأصوله، والحديث وفنونه، والفرائض وأصول الدين، والتاريخ وعيونه، وإليه النهاية في التحقيق والتدقيق، والغوص على المعاني.

انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد غير مدافع، وأقر له الموافق والمخالف، وكان قد قرأ الفقه ببغداد على جماعة، ثم ارتحل إلى دمشق، فقرأ بها المذهب على الشيخ زين الدين المنجا، ومجد الدين إسماعيل، ثم عاد إلى بلده، وأعاد وأفاد، ولازم الاشتغال ليلًا ونهارًا، ثم درس بالمدرسة المستنصرية، وتولى قضاء الحنابلة مع التقشف والصيانة، وصار عالم العراق على الإطلاق، وفقيه بغداد بالاتفاق، وآية في الفقه، ومعرفة مذاهب الأئمة الأربعة.

قال الشيخ أبو الخير الذهلي: حكى لي بعض الفضلاء ببغداد. قال: اجتمع الشيخ تقي الدين الزريراني وجماعة من علماء بغداد في مجلس فوقعت مسألة، فسأل تقي الدين ابن المطهر عن حكمها في مذهبه، فأجاب عنها، فقال له الشيخ تقي الدين: مذهبكم خلاف ما نقلت لنا، والصحيح عندكم كذا وكذا، وأوقفه على النقل فأذعن له ابن المطهر.

قال: وحكى ابن خميس الفقيه الحنبلي قال: جاءت فتيا من واسط، فكتب عليها بعض الشافعية والمالكية والحنفية، وحملوها إلى الشيخ تقي الدين، فلما قرأها قال: أخطأ الجماعة كلهم في الجواب، وطلبهم، وقال: الصحيح من مذهبكم كذا وكذا فسلموا له، ورجعوا إلى قوله.

قال: ومن محفوظاته «الهداية» لأبي الخطاب، والخرقي، وطالع «المغنى» للشيخ موفق الدين ثلاثًا وعشرين مرة، وعلق عليه حواش مفيدة، وشرع في شرح «المحرر» فكتب منه قطعة من أوله، وكانت دروسه منقحة مفيدة، يزيد في كل يوم على أربعمائة سطر مع ضيق وقته واشتغاله بأمر القضاء والعيال، ويتردد إليه العلماء من الطوائف الأربع، ويستفيدون منه، وكذلك المحدثون يسألونه عن أسماء الرجال، وصحيح الحديث وسقيمه، والتاريخ. وكان ذهنه يتوقد ذكاءً مع فكرة صائبة، وعذب عبارة، وحسن خط ولفظ وشكل، ومدحه جماعة من الأئمة الفضلاء.

وتوفي في الليلة المسفر صباحها عن يوم الجمعة ثاني عشرين جمادى الأولى

<<  <  ج: ص:  >  >>