قال لي بعض بطائنه: أنه ما يأكل إلا من مقرر إعادة المدرسة الضيائية التي كانت بيده من قبل القضاء، لا يأكل من سواها، ولم يأخذ تدريسا، ولا استزاد لنفسه زيادة، وكان يصرف جامكية القضاء إلى زوجته، وإلى المستحقين من أقربائه، وغيرهم، ويستفضل منها ما عمر به مواضع وقفها بعده.
وكان معانا على البر، مفتوحا عليه فيه، إذا أراد بناء مدرسة، أو إصلاح لطريق من طرق المسلمين، يؤتى بمال ممن له رغبة في الخير، فيستعين في ذلك البر، وتهيأ له في هذا كل عجيب.
حكى لي أنه ربما أتي بمال لا يعرف من بعث به حتى صرفه في عمارة مدرسة الشيخ أبي عمرو الضيائية، وغير ذلك، وكنت على كثرة اجتماعي به، وقراءتي النحو عليه أجله عن السؤال عن هذا، غير أني كنت إذا رأيته أتوسم سيماء السلف، وأرى عليه ملامح الأئمة الأول، وأظن - والله أعلم - أنه لو مد له في العمر، غطت شمسه على الكواكب، وابتلع بحره السحائب، وبقي منقطع القرين.
وحج مرات رافقته منها سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، فلم أر مثله في كثرة التواضع، وسعة الصدر، وكرم النفس، وحسن الخلق، وبشاشة الملتقى. وحج بأهله في جماعة على أكمل ما يكون، وكان يدع محمله، وجما له غالب الطريق، وينزل يمشي تخفيفا عن الظهر، ورغبة في احتساب الخطوات. ودخل تلك الحجة قارنا، ودخلت أنا متمتعا، فلما أتينا مكة المعظمة، وأهللت بالحج، قال لي: اعلم أنك لو مشيت من هنا إلى أن تقضي حجك، لكنت قد حججت ماشيا، كما كان الحسن بن علي ﵄ يفعل، ولقد كان يحج ماشيا والجنائب تقاد بين يديه، ففعلت فوافقني، ومشيت أنا وهو في جماعة ممن حج معي وحج معه حتى أتينا نمرة، ثم أتينا عرفة، يعمل في ذلك كله بالسنة المأثورة. فرحمه الله، وغفر له. لقد كان سيدا كبيرا، وعالما عاملا.
ورأيت شيخنا أبا المعالي ابن الزملكاني قد كتب كتابا إلى قاضي القضاة ابن الحريري ذكره فيه، فقال: الإمام العالم الرباني، القائم بالحق.
وكان شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول - وقد ذكر عنده كما هو عليه -: هو يد لم تؤيد بساعد.
وكان شيخ المذهب ابن الفركاح يقول: هو أنموذج السلف، وكان على هذا كله ثاقب الرأي، واري الزناد، قيما بمصالح الدنيا، عارفا بمكايد الرجال، عالما بأخبار أهل الزمان، مقبل السمع على معرفة أحوال الناس، لا يكاد يجوز عليه زيف، ولا