جوف منزل، إلا أنَّ الله نور بصره وسدد رأيه ونصره، فما جاز عليه زيف التدليس ولا قابله طيف الباطل إلا تحت راية التنكيس، كل هذا إلى استعادة جهات أوقاف تملكت، وعمارة مواضع بر استهلكت، والنظر في عامة المصالح مع إصلاح طرق المسلمين، والضرب على أيدي الظلمة المتحكمين، وقول الحق، وإن كان مرًا، والوقوف معه نفع زيدًا أو ضر عمرًا.
وحج مرات آخرها، وقد تألَّبت عليه عُصب لم ترد إلا أن تغطى عليه، وقد جنحت شمسه، وأشرفت على الفراق نفسه، فلما أتى المدينة الشريفة، مات ودفن في البقيع، وجاور في سماء تلك الأنجم أهل ذلك الرقيع.
وكان قبل تلك حج مرةً، فمات له صاحب في مرجعه فحمل من مكة المعظمة حتى دفن في تلك المقبرة، وحضر هو جنازته، فبقي يقلب تراب قبره بيده، ويقول: طوبى لك، وينافسه عليه، ثم قال: تمنيت أن يكون قبري إلى جانبه، وكان في السنة الآتية ما تمنى، ونال سروره إذ قبر هناك طاب وتهنا.
وحكي أنه لما حفر قبره ليدفن فيه، وتكون في قيد تلك الأذرع شمسه، إن أمكن، وجدت نصيبة قبر من قديم مكتوب عليها هذا البيت:[من الطويل]
إذا كان قبري في البقيع بطَيْبَةٍ … فلا شك أنّي في حِمَى صاحب القبر
فهنيئًا له ما سنح له الفأل، وما سيمنح من تحية ركائب إلى ذلك الحمى زائرين وقفال.
وكان ذا علم جم، مبرزًا في نحو أضحى الرياشي إليه أحص العوالم، والفارسي قدام العربي كالخادم، والمازني لا يقام له معه وزن ما هو له عالم، إلى لغة يجب لأهلها هجر القالي، وحط قدر صاعد العالي، وحساب لو كلف اقليدس أقل ما لديه، لقال ما هذا فني، أو فرض شبيهه في الفرائض الحسين بن محمد الوني، الأسرع وونى الوني مع روايات يخشع لها الخشوعي، ويدرك سلف السلف الاختشاء والعي مما لو اتصل بأبي القاسم الطبراني، لطرب، أو أبي زكريا النووي، لما اطمأنت بنواه رحلة مغترب، هذا إلى زهد ترتعد له فرائص الحارث بن أسد، ويظن سري السقطي أن ما عنده قد كسد.
ولي القضاء على شرط أن لا يلزم بتغيير زيه، ولا ركوب بغلة، ولا ركوب قدام المحمل السلطاني في دوران، ولا وداع، ولا ملتقى، وأن يكون له النظر في أوقاف طائفة الحنابلة من غير معارضة، وغير ذلك، فأجيب إلى هذا جميعه، فلم يغير زيه الذي كان عليه، وقام بالحق، وسدد وقارب، وفعل فوق ما كان يظن في الإمكان