للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وصحيحه، وعلله، رأسًا في معرفة المذهب.

[حكى أبو الحسن بن العطار عنه أنه قال: كنت مريضًا بالرواحية، فبينا أنا ليلة في الضفة الشرقية بها، ووالداي وأخواي نائمون إلى جانبي إذ عافاني الله من ألمي، ونشطني للذكر، فجعلت أسبح بين السرّ والجهر. فبينما أنا كذلك إذا بشيخ حسن الصورة، جميل المنظر، يتوضأ على البركة قريبًا من نصف الليل؛ فلما فرغ من وضوئه، أتاني، وقال لي: يا ولدي لا تذكر تزعج أباك وإخوتك وأهل المدرسة، فقلت: يا شيخ من أنت؟، قال: أنا ناصح لك، ودعني أكون من كنت فوقع في نفسي أنه إبليس، فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ورفعت صوتي بالتسبيح، فأعرض عنّي، ومشى نحو باب المدرسة فقمت أتبعه فلم أجده، ووجدت الباب مقفلًا، وفتشتها، فلم أجد أحدًا فيها غير من كان فيها، فقال لي والدي: ما خبرك يا يحيى؟ فأخبرته به، فجعل هو وإخوتي يتعجبون، وقعدنا كلنا نسبح، ونذكر].

قال ابن فرح: صار الشيخ محيي الدين إلى ثلاث مراتب كل مرتبة منها لو كانت لشخص الشدَّت إليه الرحال [في] العلم والزهد والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

[حكى لي العلامة أبو اليسر أنه جرى في مجلس أبيه قاضي القضاة أبي عبد الله الصايغ ذكر النووي وشيخه العالم الرباني أبي إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي الشافعي - رحمهما الله - فقال ابن الصايغ: لو أدرك القشيري صاحب الرسالة النووي وشيخه، لما قدم عليهما أحدًا من مشايخ الرسالة؛ لما جُمع فيهما من العلم، والعمل، والزهد والورع والنطق بالحكم، وغير ذلك.

وحكى الشيخ القدوة المسلك أبو الحسن علي المقيم بجامع بيت لهيا. قال: مرضت بالنقرس في رجلي، فعادني النووي؛ فلما جلس إليّ جعل يتكلم في الصبر، وجعل الألم الذي بي يذهب؛ فلما انتهى كلامه جميعه، زال الألم جميعه، فعلمت أنَّ ذلك ببركته، أو كما قال].

قال شمس الدين، ابن الفخر: - كان إمامًا بارعًا، حافظًا، متقنًا، أتقن علومًا شتى، وصنّف التصانيف الجمة، وكان شديد الورع والزهد، تاركًا لجيع ملاذ الدنيا من المأكول إلا ما يأتيه به أبوه من تين وكعك، وكان يلبس الثياب المرقعة الرثة، ولا يدخل الحمام، ولا يأكل الفواكه، ولم يتناول من الجهات درهمًا.

وحكى أبو الحسن بن العطار: أنه عُذل في عدم دخوله الحمام، وتضييق العيش في مأكله، وملبسه، وأحواله، وخوّف من مرض يُعطله عن الاشتغال، فقال: إن فلانًا يأكل في اليوم والليلة أكلة، ويشرب مرة واحدة عند السحر.

قال ابن العطار: كلمته في الفاكهة، فقال: دمشق كثيرة الأوقاف، وأملاك من

<<  <  ج: ص:  >  >>