عيشها، حتى يكاد يعف، فلا يشرب من مائها، فنَبُه، شكره، ونهب مدى الآفاق ذكره، وحلّق اسمه، وذكر تصنيفه وعلمه؛ فلما سولت للملك الظاهر بيبرس أمانيه، وحدثته نفسه من الظلم بما كاد يأتي قواعده من مبانيه، وكتب له من الفقهاء من كتب، وحمله سوء رأيه على بيع آخرته بشيء من الذهب، ولم يبق سواه، فلما حضر هابه، وألقى إليه الفتيا، فألقاها، وقال: لقد أفتوك بالباطل. ليس لك أخذ معونة حتى تنفد أموال بيت المال، وتعيد أنت ونساؤك ومماليكك وأمراؤك ما أخذتم زائدًا عن حقكم، وتردُّوا فواضل بيت المال، وأغلظ له في القول؛ فلما خرج قال: اقطعوا وظائف هذا الفقيه ورواتبه فقيل له: إنه لا وظيفة له، ولا راتب. قال: فمن أين يأكل؟ قالوا: مما يبعثه إليه أبوه من نوى. فقال: والله لقد هممت بقتله، فرأيتُ كأن أسدًا فاغرًا فاه بيني وبينه، لو عرضت له لالتقمني، ثم وقر له في صدره ما وقر، ومد إليه يد المسألة يسأله، وما افتقر. ثم كانت سمعة النووي التي شرقت وغربت، وبعدت وقربت، وعظم شأن تصانيفه، وبيان البيان في مطاوي تفاويفه، ثم هي اليوم محجة الفتوى، وعليها العمل، وما ثم سوى سببها الأقوى.
ولد في المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وقدم دمشق سنة تسع وأربعين، فسكن في الرواحية، وتناول خُبز المدرسة، وحفظ «التنبيه» في أربعة أشهر ونصف، وقرأ ربع «المهذب» حفظًا في باقي السنة.
ثم حج مع أبيه ومرض أكثر الطريق. قال مخبرًا عن نفسه: أنه كان يقرا كل يوم اثني عشر درسًا على مشايخه شرحًا وتصحيحًا في الحديث والفقه، والنحو، والأصلين، والتصريف، وأسماء الرجال.
قال: وكنتُ أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل، ووضوح عبارة، وضبط لغة. وبارك الله لي في وقتي، وخطر لي أن أشتغل في الطب، واشتريت كتاب القانون، فأظلم قلبي، وبقيتُ أيامًا لا أقدر على الاشتغال، فأفقت على نفسي، وبعت القانون، فأنار قلبي.
وسمع الكتب الستة، والمساند، و «الموطأ»، وغير ذلك، ولازم الاشتغال، والتصنيف، ونشر العلم والعبادة، والأوراد والصيام، والذكر، والصبر على العيش الخشن في المأكل والملبس ملازمة كلية لا مزيد عليها ملبسه ثوب خام، وعمامته شنجبابيه صغيرة، وتخرج به جماعة من العلماء. وكان لا يضيع له وقتًا في ليل ولا نهار، إلا في اشتغال حتى في الطرق، ودام على هذا ست سنين.
ثم أخذ في التصنيف، والإفادة، والنصيحة، وقول الحق مع ما هو فيه من المجاهدة لنفسه، والعمل بدقائق الورع والمراقبة، وتصفية النفس من الشهوات والشوائب، ومحقها من أغراضها. وكان حافظًا للحديث، وفنونه، ورجاله،