﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ إن قيل: لم قدَّم اللهو هنا على التجارة وقدم التجارة قبل هذا على اللهو؟
فالجواب: أن كل واحد من الموضعين جاء على ما ينبغي فيه؛ وذلك أن العرب تارة يبتدئون بالأكثر ثم ينزلون إلى الأقل، كقولك:«فلان يخون في الكثير والقليل» فبدأت بالكثير ثم أردفت عليه الخيانة فيما دونه، وتارة يبتدئون بالأقل ثم يرتقون إلى الأكثر، كقولك:«فلان أمين على القليل والكثير» فبدأت بالقليل ثم أردفت عليه الأمانة فيما هو أكثر منه، ولو عُكس في كل واحد من المثالين لم يكن حسنًا؛ فإنك لو قدمتَ في الخيانة ذكر القليل لَعُلِمَ أنه يخون في الكثير من باب أولى وأحرى، ولو قدمتَ في الأمانة ذكر الكثير لَعُلِمَ أنه أمين في القليل من باب أولى وأحرى، فلم يكن لذكره بعد ذلك فائدة.
وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ قدم التجارة هنا ليبين أنهم ينفضون إليها، وأنهم مع ذلك ينفضون إلى اللهو الذي هو دونها، وقوله: ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ قدم اللهو ليبين أن ما عند الله خير من اللهو، وأنه أيضًا خير من التجارة التي هي أعظم منه، ولو عكس كل واحد من الموضعين لم يَحسن.