قوله:"فإن هم أطاعوك لذلك: فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة" ثنى بأهم العبادات المالية، وهي الزكاة، وهكذا هي في حديث مباني الإسلام المشار إليه سابقاً. وهذه الصدقة هي المفروضة، وهي الزكاة، فإن الزكاة تُسمى في كتاب الله صدقة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ولكن إذا قرنت الصدقة بالزكاة صار المراد بالزكاة الفرض الواجب، والمراد بالصدقة النافلة.
قوله:"تُؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم" استدل العلماء بهذا على عدم جواز إخراج الزكاة من البلد؛ وقيل بجواز ذلك لأن النبي ﷺ كان يبعث المصدقين إلى القبائل، وأحياء العرب، فيأتون بصدقات أقوامهم. لكن الأصل أن تصرف الزكاة في نفس البلد؛ لأن نفوس فقراء البلد تتعلق بما في أيدي أغنيائهم، فلا يناسب أن تخرج من بين أيديهم، فإن طرأ على هذا الأصل ما يجعل نقل الزكاة أفضل من صرفها في البلد، فلا مانع من نقلها، كأن يدف بالناس دافة، وتقع مجاعة في أحد بلدان المسلمين، فيخرج الناس زكاتهم إليهم، فيصبح المفضول فاضلاً.
قوله:"فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم": أي: إن هم أقروا بما تقدم، لا سيما آخرها، وهو الزكاة "فإياك" كلمة تحذير، أي: تجنب أموالهم النفيسة، كأن يكون عند الإنسان إبل، فليس للمصدق أن يختار كرائم الإبل، ويدع رديئها لصاحب المال، بل يأخذ من الوسط، وكذا البقر والغنم، والخارج من الأرض.
قوله:"واتقِّ دعوة المظلوم" نبّهه على أمر دقيق لكونه حاكماً وقاضياً وجابياً، وهو العدل، وتجنب الظلم، فلا يقع في سلطانه شيء من التجاوز.
قوله:"فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" لأنها تخرج من نفس مكلومة مظلومة، فترتفع مع الغمام، حتى يقول الله لها:"لأنصرنك ولو بعد حين"(١)؛
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الصيام، باب في الصائم لا ترد دعوته برقم (١٧٥٢) والترمذي ت شاكر في أبواب الدعوات برقم (٣٥٩٨).