للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

دخل النار، فلم يجعل بينه وبينهما شيئاً إلا الموت على ذلك.

السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد.

كما في حديث جابر ، فقد جمع في حديث واحد بين قوله: "من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة" وبين قوله: "ومن لقي الله يشرك به دخل النار".

السابعة: أنه من لقيه لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار، ولو كان من أعبد الناس.

وهذا غير ممتنع، بل واقع! فإنه يوجد من يجتهد في العبادة ويقع في الشرك، فلا ينتفع بعمله، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] لأنه لم يكن خالصاً لله ﷿؛ ولما سألت عائشة النبي عن عبد الله بن زيد بن جدعان، وكان من أشراف قريش، وكان يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: "لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" (١). وروي عن الحسن قال: لما قدم عمر بن الخطاب الشام، أتاه راهب، شيخ كبير، متقهل (٢)، عليه سواد، فلما رآه عمر بكى، فقال له: يا أمير المؤمنين، ما يبكيك؟ قال: هذا المسكين! طلب أمراً فلم يصبه، ورجا رجاء فأخطأه، وقرأ قول الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٢ - ٤] (٣). فهذا الراهب في عبادة سنين طويلة، ولكن على شرك؛ لأنه يدعو المسيح وأمه، فلم يغن عنه ذلك شيئاً، بل زاده من الله بعداً، وسخطاً.


(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل برقم (٢١٤).
(٢) أي: شعث وسخ، يقال: أقهل الرجل، وتقهل. النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٢٩).
(٣) تفسير القرطبي (٢٠/ ٢٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>