للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأوصاف الأربعة لزم قبول الخبر، ولم يجز رده، ولا التجني عليه بأنواع التأويلات الباطلة التي سلكها أهل التأويل من المتكلمين، فنثبت ما أثبته الرب لنفسه، معتقدين أنه حق على حقيقته، ولا نشقى بها؛ كما شقي بها أهل التأويل، فقالوا: إن النبي ضحك من قول الحبر استهجاناً له؛ لأن اليهود أهل تجسيم! فكيف يصح هذا التأويل، وقد صرح ابن مسعود بقوله: "تصديقاً لقول الحبر"؟ هذا من شؤم المقدمات الفاسدة، وإلا فلا مانع من إثباته، ما دام قد صح به الخبر، فنعتقد أنه حق على حقيقته، وإن لم تطق عقولنا إدراك كيفيته.

قوله: "ثم يأخذهن بشماله" قال بعض الشراح إن هذه اللفظة: شاذة، غير محفوظة، واستدل بقول النبي : "وكلتا يديه يمين" (١)، والصحيح: أنها لفظة ثابتة، مروية بسند صحيح؛ والمراد أن الله تعالى له يدان كريمتان، ميمونتان؛ يمين، وشمال، لكن شماله ليست كشمال المخلوقين؛ فالمخلوقون في الغالب تكون الشمال أنقص، وأضعف من اليمين، فلما خشي النبي أن يتوهم متوهم هذا النقص، نزه الله عن ذلك، وقال: "وكلتا يديه يمين".

مناسبة الحديث للباب:

ظاهرة جلية، لما تضمنه من بيان قدرة الرب العظيمة الباهرة، التي توجب قدره حق قدره.

فوائد الحديث:

١ - اعتقاد يهود صدق نبوته في قرارة نفوسهم، وجحودهم لها ظاهرًا، بسبب كبرهم.

٢ - أن ما جاء به النبي مصدق لما بين يديه من الكتاب، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].

٣ - عظيم قدرة الله وسلطانه.


(١) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم برقم (١٨٢٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>