للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الثانية: ما ينبغي أن يقول من قيل له: أنت سيدنا.

يقول: (السيد الله).

الثالثة: قوله: "لا يستجرينكم الشيطان" مع أنهم لم يقولوا إلا الحق.

وهذا ملحظ مهم، فليس كل كلام حق يقر، بل يجب أن ينظر إلى بواعثه، ومآلاته، فإنهم قالوا قولاً يستحقه، لكنه أنكر عليهم خوفاً من أن يتجارى بهم الغلو، وينزلوه فوق منزلته.

الرابعة: قوله: "ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي".

أي: أن النبي قد أحله ربه منزلة كريمة، وهي منزلة العبودية والرسالة، فلا يزاد عليها. وقد وصفه ربه بالعبودية التامة؛ لأن العبودية درجات، فهناك العبودية الكونية التي يخضع لها كل أحد، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] فتشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والإنسان والحيوان، والطير والهوام، وهناك عبودية خاصة، وهي العبودية الشرعية التي يقوم بها المؤمنون الممتثلون لأوامر الله، المنتهون عن نواهيه، وهناك عبودية خاصة الخاصة، وهي عبودية الأنبياء والمرسلين، وأكملها عبودية الخليلين: إبراهيم، ومحمد -صلوات الله وسلامه عليهما-، فهذه هي العبودية التامة. وقد وصفه الله تعالى بها في أشرف منازله، في أشرف ليلة مرت به؛ ليلة الإسراء والمعراج، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، وفي أشرف أحواله، وهو حال تنزل القرآن، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، في أشرف أعماله، وهو الدعوة إلى الله، فقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]. فوصف العبودية وصف شريف كامل، كما قال الشاعر:

<<  <  ج: ص:  >  >>