للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ملكاً رسولاً، أو عبداً رسولاً، أشار إليه جبريل أن تواضع، فقال: "بل عبداً رسولاً" (١)، وقد ضرب النبي أروع الأمثلة في التواضع الكريم الشريف، الذي لا دناءة فيه؛ فلما أتاه رجل، فكلمه، جعل ترعد فرائصه، فقال له: "هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد" (٢)، والقديد: هو اللحم المجفف، أي: أني كسائر الناس. فلم يكن النبي يتعالى أو يتباهى، أو يتخذ الخدم، والحشم، والأبهة بين يديه، بل كان على سجيته. ومع ذلك، جمع الله تعالى له بين المحبة والمهابة، فمن رآه هابه، ومن جالسه أحبه.

٢ - التحذير من الغلو في المديح، والتكلف في الألفاظ؛ وهذا يقع كثيراً من الشعراء، فإن الشعراء يستزلهم الشيطان، ويستهويهم، فيجري على ألسنتهم من وحيه ووسواسه ونفخه ونفثه، ما يجعلهم يرفعون المحقرين إلى أعلى المراتب، ولهذا قال النبي : "إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب" (٣).

٣ - أن السؤدد المطلق لا يكون إلا لله تعالى؛ لقوله : "السيد الله".

٤ - أن من أسماء الله الحسنى: السيد.

٥ - الحذر من مزالق الشيطان؛ لقوله: "ولا يستجرينكم الشيطان".

٦ - أنه لا بأس بشيء يسير من المِدحة، من غير كذب ولا غلو؛ لقوله: "قولوا بقولكم أو بعض قولكم" فالشيء اليسير، الذي يتضمن التعريف، لا بأس به؛ ولهذا كتب النبي : "من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم" (٤)، فهذا فيه مدحة، وهو إخبار بالواقع، أما الأسجاع المتكلفة، والألقاب المفخمة، فإنها مذمومة.


(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٧١٦٠) وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
(٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب الأطعمة، باب القديد برقم (٣٣١٢) وصححه الألباني.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح، إذا كان فيه إفراط وخيف منه فتنة على الممدوح برقم (٣٠٠٢).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٦٤] برقم (٤٥٥٣) ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبي إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام برقم (١٧٧٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>