للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الجهاد في للإسلام يكون للدفع، ويكون للطلب. فمن مقاصد الشريعة أن تكون كلمة الله هي العليا، وهذا لا يتأتى، أحيانًا، إلا بالسيف والسنان. والجهاد أوسع من القتال، فالجهاد يتناول الجهاد باللسان، والبيان، كما يتناول الجهاد بالجوارح؛ وهو القتال، ولا يجوز إخراج القتال من الجهاد كما يفعل بعض المعتذرين المسكونين بالتهمة، فيحاولون أن يبرؤوا الإسلام -زعموا- من أن يكون قد انتشر بالجهاد في سبيل الله،، فنقول: نعم قد انتشر الإسلام بالجهاد في سبيل الله، والنبي يقول: "وجعل رزقي تحت ظل رمحي" (١)، وأخبر بأنه: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة" (٢)، وهم الطائفة المنصورة. وأهل الإسلام هم أرحم الخلق بالخلق؛ يسوقونهم إلى الجنة سوقًا، ويدلونهم على الخير دلاًّ، وهم كما قال المنصفون من الباحثين الغربيين: أرحم الفاتحين، فلا يُعلم فاتح، أو متغلب، رفق بالمغلوب، كما رفق أهل الإسلام بغيرهم؛ لأن مقاصدهم ليست مقاصد دنيوية، وإن جرى لهم مغانم تبعًا، وإنما إدخال الناس في دين الله. لهذا كان النبي يجهز الجيوش والسرايا. أما الجيش: فهو كثير العدد، وأما السرية: فإنها تبلغ نحو أربعمائة فرد. والسرية، ربما خرجت من البلد ابتداءً لمهمة خاصة، وربما تنفصل عن الجيش لأداء مهمة استطلاعية، وربما تنفرد للحراسة، وحفظ مؤخرة الجيش. وقد رتبت الشريعة على هذه الأحوال أحكاماً متعددة في أبواب الجهاد، فجعلت لمن يخرج في السرية إن خرج من البلد الخمس، وإذا كانوا قد انفصلوا من الجيش في مبتدأ أمرهم فإن لهم: الربع بعد الخمس، وإذا كانوا بعد رجوعه يحرسون مؤخرتهم فلهم الثلث بعد الخمس؛ لأن الخطر فيه أشد، على تفاصيل معروفة في كتاب الجهاد، من أبواب الفقه.

ودل قوله: "إذا أَمَّر أميراً" على أنه لا بد من إمارة؛ فلا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، لا سيما في هذه الأمور الخطيرة التي تتطلب اتخاذ قرار؛


(١) أخرجه البخاري معلقاً في كتاب الجهاد والسير، باب ما قيل في الرماح (٤/ ٤٠) وأخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٥١١٥) وقال محققو المسند: "إسناده ضعيف".
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكماً بشريعة نبينا محمد برقم (١٥٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>