للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فأدخل (أل) على اليزيد، وهو معرفة أصلاً؛ لكونه علماً، فلا تفيده تعريفاً.

قوله: "باب: ما جاء في (لو) " أي: من النهي عنه، والذم لمن عرَّض به عند الأمور المكروهة، كالمصائب التي جرى بها القدر؛ لما فيه من الإشعار بعدم الصبر، والأسى على ما فات، مما لا يمكن استدراكه، والمضادة لكمال التوحيد، فالممنوع في (لو) التلهف على أمور الدنيا طلباً، أو هرباً، لا تمني القربات والطاعات، كما سيأتي.

قوله: "وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ " القائل هم المنافقون، وكان ذلك يوم أحد، حين غدا المسلمون إلى لقاء عدوهم من المشركين، وجرى لهم نصر أول النهار، لكن الرماة عصوا، وتركوا مواقعهم، فصارت الدائرة على المسلمين، وقتل من المسلمين نحو سبعين، فصار المنافقون يتحسرون، ويتندمون، ويستطيلون على النبي ؛ يقول قائلهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ أي: لو أخذ محمد بمشورتنا لما وقع علينا غلبة، وقتل؛ وذلك أن النبي كان قد استشار أصحابه: هل يقاتلهم في أزقة المدينة، ويرمونهم من فوق البيوت والدور، أم يخرج إليهم؟ وكان يميل إلى الرأي الأول، لكن شبان الصحابة الذين لم يشهدوا معركة بدر، كان فيهم توق للجهاد، اختاروا الثانية، فدخل النبي ولبس لأمة الحرب -أداته-، وفي أثناء دخوله قال بعضهم لبعض: إنا قد حملنا رسول الله على ما يكره، فلما خرج إليهم قالوا: "يا رسول الله الأمر إليك، إن شئت قاتلناهم في المدينة، قال: "لا ينبغي لنبي يلبس لأمته، فيضعها حتى يحكم الله" (١)، فكان ما كان مما قدره الله ﷿، وترتب عليه من الأمور الحسنة، والعبر العظيمة ما يعلمه المتأمل. فقال هؤلاء المنافقون: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] أي: أن قدر الله ماضٍ، ومشيئته نافذة، فمن كتب الله عليه أن


(١) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول الله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ [الشورى: ٣٨] … برقم (٩/ ١١٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>