للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المرض يحجزه عن مصالحه، ويفوت عليه مقاصد دينية، ودنيوية، كما هو الغالب، ففي هذه الحالة ينبغي للإنسان أن يستدفع الضرر، وليس في هذا مناقضة للقدر، بل كما قال عمر لما وقع طاعون عُمواس في الشام، فلم يدخل دمشق، فكتب إليه أبو عبيدة، عامر بن الجراح، يعتب عليه، ويقول: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ (١)، فكون الإنسان يفعل الأسباب، ويستدفع القدر بالقدر، لا يعد ذلك منافياً للتوكل.

قوله: "فقام عكاشة بن محصن" هو عكاشة بن محصن الأسدي ، وكان من السابقين إلى الإسلام، وهو ممن هاجر، وشهد بدراً، واستشهد في قتال أهل الردة، في السنة الثانية عشرة من الهجرة.

قوله: "فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم" هذه مبادرة من الصحابي، والمبادرة تأتي على صاحبها بالخير، أما التواني فإنه يفوت الإنسان الخير العظيم.

قوله: "قال: "أنت منهم" " هذه بشارة عظيمة لهذا الصحابي.

قوله: "ثم قام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: "سبقك بها عكاشة" " هذا الرجل مبهم، غير مُسمى، وقد قال بعض الشراح: إنه كان منافقاً، ولا يصح، ولا دلالة على ذلك من قول النبي : "سبقك بها عكاشة" لأنه لو كان منافقاً ما حرص على هذا الخير، ولكن النبي خشي أن ينفتح الباب، ثم يقوم من لا يستحق هذه الرتبة فيسألها، فأجاب بهذا الجواب البديع المؤدب، الذي فيه ما يشعر أن هذا الرجل قد يدخل في هذه الفضيلة؛ لأنه قال: "سبقك بها عكاشة" أي: هو سابق وأنت لاحق، فيكون تطييباً لنفسه.

مناسبة الحديث للباب:

ظاهرة، لأنه يدل على أن من ترك الاسترقاء والاكتواء، والتطير، وتوكل


(١) أخرجه البخاري كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون برقم (٥٧٢٩)، ومسلم في كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها برقم (٢٢١٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>