كأسعد بن زرارة (١)، وهو من الأنصار السابقين إلى الإسلام، وكوى النبي ﷺ أبي بن كعب (٢)، فالكي نافع وجائز. وتزول الكراهة -كما قال بعض العلماء-: إذا تعين الكي شفاء لداءٍ معين، مثل ذات الجنب، وهو مرض معروف عند الأطباء، تلتصق فيها الرئة بالأضلاع فلا يتمكن الإنسان من التنفس إلا بمشقة بالغة، فهذا المرض إذا عُولج بالكي انفك هذا الالتصاق مباشرة. وقد رأيتُ بعيني بعض من أصيب بذات الجنب، بمجرد أن كوي انطلق نفَسُه، وعاد سوياً كما كان -بإذن الله-. فتكون الكراهة في ما لم يتعين فيه الكي علاجاً. والوارد عن النبي ﷺ في مسألة الكي أنواع، قال ابن القيم:"فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدها: فعله. والثاني: عدم محبته له. والثالث: الثناء على من تركه. والرابع: النهي عنه.
ولا تعارض بينها -بحمد الله تعالى- فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه، فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه، فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه، بل يفعل خوفاً من حدوث الداء، والله أعلم" (٣). ولا شك أن من ترك الكي فقد استكمل أحد أوصاف السبعين ألفاً.
الوصف الثالث: عدم التطير؛ لقوله:"ولا يتطيرون" أي: لا يتشاءمون بالطير، خلافاً لأهل الجاهلية؛ الذين كانوا يتشاءمون من السوانح والجوانح -كما سيأتينا إن شاء الله- في باب الطيرة، فكان أحدهم إذا رأى مثلاً، بومة أو غراباً، وهو يريد سفراً صرفه ذلك عن سفره، تشاؤماً، وظناً بأن هذه السفرة غير محمودة العواقب، بسبب ما رآه، فهذا من أمر الجاهلية؛ لأنهم أثبتوا سبباً لم يجعله الله سبباً لا حساً، ولا شرعاً، فلا شأن للطيور بالأقدار.
وليس المقصود بقوله:"لا يتطيرون" أنه لا يقع في قلوبهم شيء من الطيرة،
(١) أخرجه الترمذي ت شاكر أبواب الطب، باب ما جاء في الرخصة في ذلك برقم (٢٠٥٠) وصححه الألباني. (٢) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (١٤٢٥٢) وقال محققو المسند: "إسناده قوي على شرط مسلم". (٣): الطب النبوي لابن القيم - الفكر (ص: ٥٠).