قوله:"وقال بعضهم: فلعلهم الذين وُلدوا في الإسلام" أي: لم يتلطخوا بشرك أبداً، كعبد الله ابن الزبير، ومن كان على شاكلته، ممن ولدوا في الإسلام، ولم يدركوا شيئاً من أمر الجاهلية، فعدُّوا ذلك منقبة لهم.
قوله:"وذكروا أشياء" أي: احتمالات أخرى، أضرب الراوي عن ذكرها.
قوله:"فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه" أي: بما جرى بينهم من المحاورة.
قوله:"هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون" هؤلاء السعداء هم من جمع هذه الأوصاف الأربعة، وهي:
الوصف الأول: عدم طلب الرقية؛ لقوله:"لا يسترقون" أي: لا يطلبون من أحد أن يرقيهم إذا أُصيبوا بشيء، وإنما يتوجهون إلى الله تعالى بالدعاء، أو يرقون أنفسهم بأنفسهم؛ وذلك لكمال توكلهم على الله ﷿. ولا شك أنّ هذا دليل كمال التوكل، وكمال التوحيد، وتحقيقه. وهذا هو سبب إيراد سعيد بن جبير هذا الحديث على حصين بن عبد الرحمن؛ لأن حصينًا ارتقى لما لدغته العقرب، فأراد أن يرفعه إلى رتبة أعلى. ولا تعارض بين الحديثين؛ لأن هذا من الترقي في الكمال، فكان الأليق به والأكمل له ألا يطلب من أحد أن يرقيه، وإنما يرقي نفسه بنفسه؛ لأن النبي ﷺ وصف السبعين ألفاً بأنهم لا يسترقون؛ وذلك لكمال توكلهم، ورضاهم بقدر الله ﷿ فلم يلجئوا إلى مخلوق، وهذا من تحقيق التوحيد.
الوصف الثاني: عدم الاكتواء؛ لقوله:"ولا يكتوون" أي: لا يطلبون من أحد أن يكويهم. والكي: معروف، وهو علاج ثابت، أثبته النبي ﷺ، فقال:"إن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شربة عسل، أو شرطة محجم، أو لذعة من نار، وما أحب أن أكتوي"(١)، فأثبت النبي ﷺ الشفاء في هذه الأشياء، لكنه قال ﷺ:"وأنهى أمتي عن الكي"(٢)، وهذا النهي حمله العلماء على الكراهة، أو خلاف الأولى، بدليل أن النبي ﷺ كوى بعض أصحابه من ذات الشوكة،
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الحجامة من الشقيقة والصداع برقم (٥٧٠٢). (٢) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الشفاء في ثلاث برقم (٥٦٨٠).