أيضاً:"إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه، فليدع له بالبركة"(١). فالواجب الاعتدال في هذا الأمر؛ لأن من الناس من يخاف من العين خوفاً مبالغاً فيه، يصل إلى درجة "الرُّهاب"، ويسبب له إعاقة عن مصالحه، فلا يكاد يعمل عملاً، أو ينشئُ سفرًا؛ خوفاً من العين، وهذا خوف منافٍ للتوكل. والواجب على العبد أن يؤمن بقدر الله، وأن يستدفع العين بالعِوذ الشرعية، والتوكل على الله ﷿، وأن يتجنب ما يدعو إلى استفزاز النفوس الشيطانية له، فيتحدث بنعم الله عليه، ولا يباهي بذلك، لئلا يثير النفوس المحرومة، فيقع فيها نوع من هذا التكيف الشيطاني، فيلحقه منها أذى، ولا يحجزه ذلك عن مصالحه، وإلا وقع في الذم من الجانب المقابل.
أما الحُمة: فهي السم، كسم العقرب، أو الثعبان، أو النحل، والسبب في تسميتها بهذا أنها تؤدي إلى احتماء الجسم، فيلحقه نوع من الحمى والحرارة.
قوله:"قد أحسن من انتهى إلى ما سمع" هذا يدل على أدب السلف ﵏، وحسن تحاورهم عند المناظرة، فلا يثرِّب بعضهم بعلى بعض، ولا يسفِّه بعضهم بعضاً، وإنما يتبيّن أحدهم من صاحبه ويستفهم عن السبب الذي حمله على فعله، فإذا ذكر خيراً حمده عليه، كما قال سعيد بن جبير:"قد أحسن من انتهى إلى ما سمع" أي: قد أصاب من عمل بما بلغه من علم، كما صنع حصين بن عبد الرحمن بعمله بهذا الحديث، لكن سعيد بن جبير أراد أن ينقله إلى درجة أعلى وأكمل، فحدّثه بحديث عن ابن عباس، ورفعه إلى النبي ﷺ.
قوله:"عُرضت عليّ الأمم"" هذا ليس عرضًا حسيًا؛ لأن الأمم قد فنيت، ولكن هذا أمر قد جرى له ﷺ ليلة الإسراء، حيث عرض الله تعالى عليه أشباح الأمم، وأمثالها، وهيئاتها.
قوله: "فرأيتُ النبي" المراد جنس النبي، لا نبياً معيناً.
قوله: "ومعه الرهط" الرهط: الجماعة دون العشرة، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]
قوله: "والنبي ومعه الرجل والرجلان" أي: لم يتبعه إلا رجل أو رجلان.
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطب، باب العين برقم (٣٥٠٩) وصححه الألباني.