قوله:" "لا رقية إلا من عين أو حمة" " هذا حديث مرفوع إلى النبي ﷺ، والمنفي في قوله:"لا رقية" الصحة والجواز؛ لأن مراتب النفي ثلاث:
١ - إما نفي الوجود.
٢ - وإما نفي الصحة.
٣ - وإما نفي الكمال.
فأول ما ينبغي أن يتوجه النفي إلى نفي الوجود، فإذا قيل مثلاً: لا أحد في الدار، دل ذلك على نفي الوجود، فإن تعذر ذلك يُنتقل إلى نفي الصحة، كقول النبي ﷺ:"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"(١)، فهذا النفي لا يتوجه إلى نفي الوجود؛ لأنه هيئة الصلاة قد تكون موجودة، فقد يقوم شخص يصلي الصلاة المعروفة، لكنه قد لا يقرأ بفاتحة الكتاب، فيكون المنفي حينئذٍ الصحة، فإن لم يمكن حمله على الوجود والصحة، انتقلنا إلى الكمال، كقول النبي ﷺ:"لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان"(٢)، فصلاة الذي يرقب الطعام، أو يدافع الأخبثين صحيحة، لكنها لم تصل إلى درجة الكمال؛ لأن ذلك يسبب له تشويشاً.
قوله:"إلا من عين أو حمة" العين: هو ما يصيب العائن بعينه، بسبب تكيف نفسه تكيفاً شيطانياً يقوم في قلب الحاسد -والعياذ بالله-، فيمتزج به تأثير الشيطان، فيؤثر ذلك أذىً في هذا المعيون، فيقتله، أو يمرضه. والعين حق، وتأثيرها ثابت شرعاً، وواقع قدراً؛ ولا سبيل إلى إنكارها، ومن أنكرها فقد كذّب بالنصوص، وأنكر الواقع، ومن الناس من لا يعترف بمثل هذه الأمور، ويقول: هذه خرافات! والسبب أنه لا يؤمن إلا بالماديات والمحسوسات، وقد قال النبي ﷺ:"العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين"(٣)، وقال النبي ﷺ
(١) أخرجه صحيح البخاري في كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت برقم (٧٥٦) ومسلم في الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة … برقم (٣٩٤). (٢) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال وكراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين برقم (٥٦٠). (٣) أخرجه مسلم في كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقى برقم (٢١٨٨).