للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الشرح:

مناسبة الباب لكتاب التوحيد:

هذا من حسن ترتيب المصنف فإنه لما عقد أولاً: كتاب التوحيد؛ ليبين حقيقة التوحيد وماهيته، ثنى بعقد باب في: فضل التوحيد، وما يكفر من الذنوب، ثم ثلّث بهذا الباب؛ ليبين أن ذلك الفضل المشار إليه فيما تقدم، إنما يناله من حقق التوحيد.

قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ جاءت هذه الآية في معرض الثناء على إبراهيم ، ولا تحفى منزلة هذا النبي الحنيف، الموحد، الذي أخلص قلبه لله ﷿، حتى بلغ الدرجات العلى. فهو إبراهيم ، إمام الموحدين في الأولين، وكان من توحيده لرب العالمين: أن فرّغ قلبه لله، فكان خليلاً له، والدليل على ذلك: أنه لما ألقاه قومه في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فأنجاه الله تعالى منها؛ لما علم صدق توحيده وإيمانه.

ومن عجيب أمره، أن الله تعالى ابتلاه في أحب الناس إليه، وهو ابنه الذي جاءه وقت الكبر، فأراه الله في المنام أنه يذبحه، ابتلاءً واختباراً له، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ولم يرد بذلك استشارته، وإنما أراد التلطف في الإخبار، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أي: كما يصنع من يريد أن يذكي الشاة. ولم يكن مراد الله ﷿ تعذيب هذا العبد الصالح، ولا إزهاق روح ولده، ولا إسالة دمه، ولكن أراد الله تعالى أن يخرج ما في قلبه من العبودية، فنجحا في الاختبار، ورأى الله تعالى منه ما يستحق للرفعة، فكان خليل الرحمن، فقال الله عنه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠].

<<  <  ج: ص:  >  >>