وكم من الناس من يبلغ المراتب العلى، لا بصلاته، ولا بصيامه، ولا بقيامه، ولا بصدقته، لكن يقيض الله تعالى عليه مصيبة دنيوية في بدنه، أو نفسه، أو أهله، أو ماله، فيرفعه الله به أعلى الدرجات. والذي ينبغي للإنسان أن يسأل الله العافية، لكن إذا ابتلي فليصبر؛ ولهذا وجه النبي ﷺ أصحابه لما حالت الشمس بينهم وبين أن يقاتلوا عدوهم، فقالوا: يا رسول الله وددنا أنا لو لقينا عدونا، فقال رسول الله ﷺ:"لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم، فاصبروا"(١). فالإنسان لا يدري ما حاله إذا وقعت عليه المصيبة، فربما آل حاله إلى الجزع والسخط، فإن الإنسان محل القصور والتقصير، فعليه أن يسأل الله العافية، فإذا أجرى الله عليه شيئاً من قدره، فليستمسك بما قاله النبي ﷺ:"عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيراً له"(٢).
وما يقع على العبد من مصائب دنيوية، تارة تكون تكفيرًا للسيئات، وتارة تكون رفعةً للدرجات، وتارة تكون ابتلاء؛ يستخرج الله تعالى بها أنواع العبوديات من خبيئة قلبه، فلا يظننّ ظان بالله إلا خيراً. قال الله ﷿: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: ١٥] يظن بعض الناس إذا رأى أنّ الله ﷾ أنعم عليه بالصحة، والمال، والغنى، أنه كريم على الله! ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] ويظن بعض من الناس أن تضييق الرزق، واعتلال الصحة ونحو ذلك علامة شؤم، وهوان على الله! فعقّب الله في الحالتين بقوله: ﴿كَلَّا﴾ أي: ليس الأمر كما تظنون، فليس عطاؤنا دليل كرامة، وليس منعنا دليل هوان، وإنما دليل الكرامة والمهانة ما يكون من العبد؛ فإن هو قابل الضراء بالصبر، وقابل السراء بالشكر، فهو الكريم على الله، وإن هو قابل الضراء بالجزع، وقابل السراء بالأشر والبطر، فهو الهين على الله. هذا هو المعيار الحقيقي؛ ولهذا تنبّه له نبي الله سليمان لما رأى عرش
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب كان النبي ﷺ إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس برقم (٢٩٦٦) ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء برقم (١٧٤٢). (٢) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير برقم (٢٩٩٩).