للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بأموالهم بالباطل، فذلك مكر مذموم، لأنه وقع على بريء. ولو انتدب له شرطي من الشرطة الجنائية، فاستدرجه، وأغراه بأنه سيعطيه أموالاً ليقع في قبضته، فذلك مكر محمود، لأنه وقع على ظالم.

فالمكر المضاف إلى الله سبحانه، لا ريب أنه مكر محمود؛ لأن الله تعالى إنما يمكر بالماكرين، كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقال: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠]. ولهذا كان هذا الوصف، وأمثاله مما ينقسم إلى محمود ومذموم، لا يجوز أن يساق إلا على سبيل المقابلة، ولا يسمى الله بالماكر، ولا يوصف بالمكر، أو يخبر به عنه بإطلاق، بل لا بد من التقييد؛ فيقال: ماكر بالماكرين، ويمكرون ويمكر الله، ونحوه، حتى لا يتبادر إلى الذهن المعنى المذموم. وكذلك الحال في: الكيد، والخداع، والاستهزاء، مما تنقسم مدلولاتها إلى محمود ومذموم.

ومكر الله، في الآية، استدراجه للمكذبين أعداء الرسل، وأخذهم على حين غرة.

قوله: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: الهالكون. وذلك لجهلهم بالله.

قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾ القنوط: هو شدة اليأس، واستبعاد الفرج، وهي حالة نفسية تعتري بعض النفوس، ويعبرون عنها أحياناً بالإحباط، وهو من الكبائر العظيمة، لما فيها من سوء الظن بالله.

قوله: ﴿إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ الضال هو التائه المخطئ لدرب الصواب.

مناسبة الباب لكتاب التوحيد:

أن الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله من أعظم الذنوب المنافية للتوحيد، وقد تُنافي التوحيد من أصله، وقد تنافي كماله الواجب، بحسب الدرجة التي بلغها صاحبها.

فوائد الآيتين:

١ - التحذير من مكر الله، وأخذ الأهبة والاستعداد.

<<  <  ج: ص:  >  >>