ومشاكلهم، وشجارهم، إنما يأتي من باب العتب والتلوم، فإذا علم الإنسان أنه لا وجه أن يذم غيره على أمر لم يؤته الله إياه، طابت نفسه، وقرت عينه، وسلم الناس من لومه، فهذه أخلاق رفيعة عالية ينبغي للمسلم أن يتخلق بها.
قوله:"إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره" هاتان جملتان محكمتان تدلان على الإيمان بالقدر، ولا تُلغيان فعل الأسباب؛ لكنهما تقمعان النفس عن التعلق بالأسباب الظاهرة، ونسيان مسبب الأسباب. فقوله:"إن رزق الله لا يجره حرص حريص" ليس فيه إلغاء السعي، وطلب الرزق، وإنما إعلام بأن الرزق لا يأتي بالتلهف والإشفاق، بل هو محض فضل الله ﷿، يجريه على من شاء من عباده. ولهذا فاضل الله تعالى بين عباده، فقال: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١] فقد تجد الإنسان الذكي، الألمعي، الحاذق، صفر اليدين، وتجد الإنسان الغبي، الخامل، الأخرق، تحت يده المال الكثير، ليعلم الناس أن الأمر بيد الله ﷿. فالذي قال:"احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ" هو الذي قال بعدها: "وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ"(١)، فليحرص الإنسان على ما ينفعه في دينه ودنياه، مستعينًا بالله، ولا يعتقد أن حرصه مستقل بتحصيل الرزق.
قوله:"ولا يرده كراهية كاره" فرزق الله ﷿ المقسوم للعبد سيأتيه، فما قسمه الله تعالى له فهو حاصل، يقول النبي ﷺ:"أيها الناس، اتقوا الله، وأجملوا في الطلب، فإن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم"(٢). فما أحوج طلاب الدنيا إلى هذه الجملة! "اتقوا الله وأجملوا في الطلب" إنها درس لصاحب النفس المتشوفة إلى متاع الحياة الدنيا، لم يقل: لا تطلب رزقك، بل قال اتق الله،
(١) أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله برقم (٢٦٦٤). (٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب التجارات، باب الاقتصاد في طلب المعيشة برقم (٢١٤٤) وصححه الألباني.