للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إعفاء اللحية، كيف تطيب نفس مؤمن يعلم أن هذا هدي محمد ، وأنه كان له لحية عظيمة تملأ ما بين منكبيه، ثم يزهد في هدي النبي ، ويحلق لحيته، أو يأخذ منها، أو يقصرها، ويتشبه بالكفار؟!

إن الحب الصادق للنبي يستلزم امتثال سنته، واقتفاء أثره، حتى حمل بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- على محاكاة النبي فيما ليس من أمر التشريع؛ يقول أنس : "دعا رسول الله رجلٌ، فانطلقت معه، فجيء بمرقة فيها دباء، فجعل رسول الله يأكل من ذلك الدباء، ويعجبه، قال: فلما رأيتُ ذلك جعلت ألقيه إليه، ولا أطعمه، ثم قال أنس: "فما زلت بعد يعجبني الدباء" (١)، هذا حب ناتج عن محبة المحبوب، ولا نقول: من السنة محبة القرع؛ لأن النبي كان يحبه محبة طبيعية. وكان ابن عمر يتحرى الأماكن التي نزل فيها النبي في سفراته، فينزل فيها، بل والمواضع التي قضى فيها حاجته، فيقضي فيها حاجته، فقد جاء عن أنس بن سيرين قال: كنتُ مع ابن عمر بعرفات، فلما كان حين راح، رحت معه حتى أتى الإمام، فصلى معه الأولى، والعصر، ثم وقف معه، وأنا وأصحاب لي، حتى أفاض الإمام، فأفضنا معه، حتى انتهينا إلى المضيق دون المأزمين، فأناخ وأنخنا، ونحن نحسب أنه يريد أن يصلي، فقال غلامه الذي يمسك راحلته: إنه ليس يريد الصلاة، ولكنه ذكر أن النبي لما انتهى إلى هذا المكان قضى حاجته، فهو يحب أن يقضي حاجته (٢). فهذا ناتج عن المحبة، وهو أمر مألوف في بني آدم، فإن الإنسان إذا أحب شخصاً صار يحاكيه في طريقته في الكلام، وفي خطه، ومشيته، وملبسه، وغير ذلك. فعلينا أن نملأ قلوبنا بمحبة النبي ، وهذا يحصل بإدمان قراءة سيرته، وشمائله الطاهرة، فإن من قرأ في سيرته وتأملها، امتلأ قلبه محبة لهذا النبي الكريم. وقد كان من آثار هذه الأحداث المصاحبة للرسوم المسيئة لنبينا أن


(١) أخرجه مسلم في كتاب الأشربة، باب جواز أكل المرق، واستحباب أكل اليقطين، وإيثار أهل المائدة بعضهم بعضا وإن كانوا ضيفانا إذا لم يكره ذلك صاحب الطعام برقم (٢٠٤١).
(٢) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٦١٥١) وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط مسلم".

<<  <  ج: ص:  >  >>