للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نبيه محبتة لولده، ووالده، والناس أجمعين. ومن تأمل نعمة الله تعالى ببعثة النبي أدرك أن حاجته إلى نبيه أعظم من حاجته إلى أبيه، وأمه، وطعامه، وشرابه، ونفسه، فهذه مقومات دنيوية، أما ما جاء بها محمد من الهدى والعلم، فلا صلاح للدين والدنيا إلا به، فلا بد من تقديم محبة النبي على محبة الولد والوالد، بحيث يجد المرء ذلك في صميم قلبه. ولهذا لما سمع عمر هذا الحديث قال: "يا رسول الله، لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي : "لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال عمر: "فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي" فقال النبي : "الآن يا عمر" (١).

وهذه المراجعة من عمر صدق وحق؛ لأن هذه المحبة التي أحدثها عمر، نتجت عن نظر، فهي محبة مكتسبة، فحين أخبره النبي بأنه لا يتم إيمانه الواجب إلا بتقديم محبته على محبة نفسه، تأمل، ونظر، وأدرك أن هذه المحبة يجب أن تفوق محبة النفس، فقال: "الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي" قالها متحققًا وشهد له من لا ينطق عن الهوى، فقال: "الآن يا عمر" وأثبت له هذه المحبة. وهذا جواب سديد على المتطاولين على الصحابة، كالرافضة، الذين يلمزون عمر بالتظاهر بهذا، فيقال لهم: إن لمزكم إياه لمز للنبي ، فهل كان النبي يقره على هذه الدعوى ويشهد له بذلك، والأمر خلاف ذلك؟ لا، والله! فلا شك أن عمر كان صادقاً فيما أخبر، وأنه قد اكتسب هذه المحبة بالنظر، لما علَّمه نبيه بأن هذا من ضرورات الإيمان به.

وبناء عليه: فعلينا أن نتعاهد قلوبنا حقاً، وأن نصدق في محبتنا لنبينا ، وما من مؤمن إلا وهو محب لنبيه قطعاً، لكن هل هذه المحبة كما شرط النبي ؟ لقد رأينا -بحمد الله- حين تطاول بعض الكفرة على نبينا بالرسوم المسيئة، كيف ضج المسلمون في مختلف البلاد الإسلامية، وأعربوا عن سخطهم وبغضهم لهؤلاء الشانئين المستهزئين، بأنواع الهتافات، والنداءات، والمظاهرات، والمقاطعات، ولا شك أنّ هذا دليل على صدق المحبة للنبي ، لكن يجب أن يبيّن لجمهور


(١) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي برقم (٦٦٣٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>