- "الطيرة": وهي التشاؤم بالطيور، وغيرها، وسيعقد المصنف ﵀ لها باباً مستقلاً. فهذه الثلاثة من أنواع السحر. ويدخل في ذلك ما شابهها وقاربها، مما يحدثه السحرة، كالذين يزعمون أنهم يقرؤون الفنجان، أو الكف، أو غير ذلك من الدعاوى الباطلة، ويروجونه على ضعاف العقول، ورقاق الدين، ويوجد في كثير من البلاد من يجلس على الأرصفة، أو يتخذ المصاطب، ثم يأتي إليه الناس، فيدعي أنه يقرأ كفه، ويستشرف ما يقع له في مستقبل الأيام، أو يستدل بأمور لا علاقة لها على ما يقع عليه.
قال الحسن: الجبت: رنة الشيطان" تقدم معنا: أن من معاني الجبت هو السحر، كما فسره أمير المؤمنين عمر، ﵁. وفسره الحسن البصري، ﵀، بنوع آخر من أنواعه، وهي رنة الشيطان، والمراد بالرنة: الصوت، فيدخل في ذلك أصوات الملاهي، وأضافه إلى الشيطان؛ لأنها صوته ومزاميره، ومعلوم أن الصوت أحياناً يُؤثر في النفس تأثيراً ظاهراً بليغاً؛ ويروى عن الفارابي، الفيلسوف، أنه لما اخترع آلة القانون -آلة موسيقية كالعود وغيره- دخل على قوم فعزف، فأبكاهم، ثم عزف فأضحكهم، ثم عزف فناموا، وخرج (١). فهذا يدل على أن الأصوات تُؤثر في النفوس، والقلوب تأثيراً خفياً؛ ولأجل ذا حرم الشارع الحكيم المعازف بأنواعها، إلا الدف في مناسبات معينة؛ كالعرس، والعيد، وعند قدوم سلطان منتصر. وكان أصحاب عبد الله بن مسعود ﵃ في الكوفة إذا رأوا مع الجواري دفوفاً خرقوها (٢). فالشارع الحكيم منع الملاهي؛ لأنها تُؤثر في النفوس تأثيراً شيطانيًا، يورثها الغفلة، ويصرفها عن المزاج الإيماني إلى المزاج الشيطاني. ولما كانت النفس الإنسانية لها تعلق بالأصوات، فتتلذذ بها، كما تتلذذ بالطعام، والشراب، والنكاح، بمقتضى الكينونة والطبيعة، لم يغلق الشارع هذا الباب، ويكبت هذه الرغبة، بل أعاض المؤمنين بالقرآن العظيم، والتغني به، عن هذه المعازف المحرمة، حتى إنهم يجدون بالترنم بكتاب الله أو استماعه، لذة، وأنسًا، واستمتاعًا، لا يجدها أهل المعازف في استماعهم إلى القيان والمعازف. فالله تعالى لا يغلق على الناس باباً إلا
(١) مجلة التراث العربي - العدد ٠٢ (ص: ٧). (٢) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال (ص: ٥٧).