للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تليها المدينة، وقد حفظ الله هاتين البلدتين من أن يستبيحها كافر، فاستجاب الله تعالى هذه الدعوة أيضاً.

الثالثة: "أن لا يجعل بأسهم بينهم شديداً" أي ألا يحتربوا فيما بينهم. لكن الله تعالى منعه هذه؛ ولأجل ذا وقع بين المسلمين على مدار التاريخ حروب وإحن كثيرة، شديدة، وهذا من حكمة الله البالغة، وقدره السابق.

قوله: "وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيتُ قضاء فإنه لا يرد" أي: إذا قضى الله قضاءً فإنه لا يرد، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]. ولا يشكل على هذا قول النبي : "لا يرد القضاء إلا الدعاء" (١)، فإن المقصود بالقضاء في هذا الحديث ليس القضاء الذي في اللوح المحفوظ، وإنما المراد به شيء انعقدت أسبابه، وتوفرت دواعيه، فصرفه الله بسبب الدعاء. فيكون الذي في أم الكتاب أن هذا الأمر الستوجب الوقوع، يعارضه دعاءٌ فيرفع بسببه، فالذي في اللوح المحفوظ السبب والمسبب معاً، وبذلك يزول الإشكال، فما في اللوح المحفوظ لا يتغير، وأما ما في صحف الملائكة، فإنه يقع فيه المحو والإثبات، كما قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، على أحد التفسيرين في معنى المحو والإثبات. وقيل: إن المحو والإثبات لا يتعلق بالأقدار، وإنما بالحسنات والسيئات، وهو الراجح.

قوله: "وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها" هذا وعد من الله لنبيه، والله لا يخلف الميعاد، فكان كما وعد: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، فإن هذه الأمة قد تكالب عليها من بأقطارها من أمم الأرض، وبقيت بيضتها محمية مصونة، وتقشع الغزاة، كالتتار، والصليبيين، والاستعمار الأوروبي الحديث، وحفظ الله لهذه الأمة -ولله الحمد- عقيدتها، وشخصيتها، وطريقتها، بل إن بعض الغزاة ذاب في هذه الأمة واعتنق دينها؛ لأنه دين يعلو ولا يُعلى عليه، كما وقع للتتار.

قوله: "حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً" هذه هي


(١) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب القدر، باب ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء برقم (٢١٣٩) وحسنه الألباني.

<<  <  ج: ص:  >  >>