أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله" (١)، فقولنا: "عبد الله" إنزال للنبي ﷺ المنزلة التي أنزله الله تعالى إياها. والوصف بالعبودية كرامة، وشرف للموصوف بها؛ ولذا نجد أن ربنا سبحانه وبحمده، يصف نبيه بالعبودية في أشرف أحواله:
١ - في حال تنزل القرآن، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١].
٢ - في أشرف ليلة مرت به، وهي ليلة الإسراء والمعراج، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١].
٣ - في أشرف وظيفة يقوم بها بشر، وهي الدعوة إلى الله ﷿ فقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]. فالعبودية أشرف ما يتصف به العبد، كما قيل:
٢ - ووصفه بالرسالة: رد على أهل الجفاء، الذين نالوا منه ﷺ، ولم يقدروا قدره، فهو رسول من عند الله ﷿، ويا لها من منقبة! أن يصطفيه الله تعالى ليكون مهبط وحيه، ومستودع رسالته، فهذه منزلة عظيمة جداً، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] وقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. فينبغي دوماً أن نقرن بين هذين الوصفين، فنقول: عبده ورسوله، وهذا أبلغ من أن نقول: نبيه ورسوله.
قوله: "وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه" الشهادة بأن عيسى عبدٌ لله، وليس الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة، كما تقول النصارى.
فتضمن ما مضى الرد على سائر ملل الكفر:
١ - فقوله:(أن لا إله إلا الله) رد على جميع أنواع المشركين.
(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول اللَّه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: ١٦] برقم (٣٤٤٥). (٢) نسب البيتين في المفاخرة بين الماء والهواء (ص: ٤٦) للقاضي عياض.