تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] وقال: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] وهي مدائن صالح في وادي القرى، فكانوا يمرون ويرون هذه البيوت المنحوتة من الصخر، مما يدل على قوة أهلها، ومع ذلك أهلكهم الله ﷿. ولما مر النبي ﷺ بوادي القرى أمر أصحابه فقال:"لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم"(١)، وقنَّع النبي ﷺ رأسه ووجهه، وأرخى الزمام لناقته، ومر سريعاً؛ لأنها أرض عذاب، فالذي ينبغي للإنسان ألا يذهب للتنزه، والترفه، والتسلية في هذه الأماكن، وإنما يدخلها للاعتبار والاتعاظ، هذا هو المطلوب.
٣ - حرص النبي ﷺ على أمته؛ فالنبي ﷺ ما ترك شاذة ولا فاذة إلا ونبه أمته عليها، كما قال أبو ذر:"لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً"(٢). فلا يمكن أن تجد مسألة من المسائل، أو نازلة من النوازل، إلا وفي ديننا -ولله الحمد- الشفاء والغناء والكفاية.
٤ - وجوب الاعتدال في جميع الأمور. فيجب على المسلم أن يحذر من جميع صور الغلو، فالغلو هو الذي أوقع الخوارج في تكفير المسلمين، واستحلال دمائهم، وأموالهم، والغلو هو الذي أوقع الرافضة في تأليه علي بن أبي طالب ﵁، ورفعه فوق منزلته، وأهل بيته من بعده، ولا تكاد تجد فرقة من الفرق الهالكة، إلا وقد غلت في شيء من الأشياء:
فالمشبهة: غلو في الإثبات، حتى وقعوا في التمثيل.
والمعطلة: غلو في التنزيه، حتى وقعوا في التعطيل.
والقدرية: غلو في إثبات أفعال العباد، حتى أنكروا القدر.
والجبرية: غلو في إثبات أفعال الله ﷿، حتى سلبوا العبد مشيئته وفعله.
فليحذر الإنسان من الغلو، وليكن معتدلاً وسطًا، والوسطية تكون في
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب برقم (٤٣٣) ومسلم في الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم برقم (٢٩٨٠). (٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٣/ ١٦٣).