للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المنافق، فقاموا، فقال النبي : "إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله". وقد تقرر أن الاستغاثة نوعان:

ممنوعة: أن يُستغاث بميت مقبور، أو بغائب، أو حاضر في أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، كأن يقول: اشفني، وارزقني، ونحو ذلك. وهذ شرك أكبر.

جائزة: وهي أن يستغاث بمخلوق فيما يقدر عليه، كقول الغريق لمن يمر بسيف البحر: أغثني، وقول الحريق: أغثني، وهكذا، فإن هذا لا بأس به.

فإنكار النبي بقوله: "إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله" على فرض صحة هذا الحديث يُحمل على أحد وجهين:

الأول: أنه أنكر عليهم اللفظ، وهو قولهم: "قوموا نستغيث برسول الله " حيث رأى أن هذا التعبير مناف للأدب مع الله، مع إمكان أن يستغاث بالنبي فيما يقدر عليه.

الثاني: أنه رأى أن ذلك استغاثة ممنوعة؛ لأنه لم يكن قادراً على إغاثتهم من ذلك المنافق؛ وإن كان الذين طلبوا ذلك قد لا يعلمون، فلم يقع منهم ذلك على سبيل الشرك. وقد ذكر هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه-، وهو كون النبي لم يكن قادراً على ذلك الرجل، في ذلك الحين (١)، ففي أول الهجرة كان لأهل النفاق سطوة وقوة، حتى قال عبد الله بن أبي بن سلول: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فقال عمر : مرني فلأضرب عنقه، فقال النبي : "دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه" (٢)، ثم لما قوي أمر الإسلام، وخضدت شوكة المنافقين، ذكَّر الرسول عمر بمقالته، قال: "أما والله لو قتلته يوم أمرتني بقتله، لأرعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته" (٣). وهذا يدل على أهمية


(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (١/ ٢٨٧).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ [ص: ١٥٤] أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦] برقم (٤٩٠٥) ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالماً أو مظلوماً برقم (٢٥٨٤).
(٣) الكامل في التاريخ (٢/ ٧٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>