للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فلا يمكن لأحد كائناً من كان أن يحول بينك وبينه، ولو اجتمع من بأقطارها، كما قال نبينا لابن عباس : "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام، وجفت الصحف" (١). فهاتان الجملتان وردتا في سورتين: في سورة الأنعام، بلفظ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] وفي سورة يونس، باللفظ المتقدم، وتمامها: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] فدلت الآية على وجوب إفراد الله تعالى بالدعاء؛ لأن الحامل على الدعاء: إما وقوع ضر يدعو الإنسان برفعه، أو طلب خير يسعى بجلبه، فهذا لا يطلب إلا من الله ﷿ وحده.

مناسبة الآية للباب:

لما كان لا يكشف الضر إلا الله، ولا يجلب الخير إلا الله، لزم أن يكون هو المدعو وحده، لا شريك له، فإن العبادة لا تصلح إلا لمالك الضر والنفع، فصرف الدعاء لغيره شرك أكبر.

فوائد الآية:

١ - وجوب إفراد الله تعالى بالدعاء.

٢ - بطلان دعاء غير الله، وأنه أعجز من أن يحقق المطلوب.

٣ - إثبات المشيئة والإرادة لله ؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ﴾ وإرادة الله تعالى تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وهي المشيئة، وإرادة شرعية، وهي المحبة، فالإرادة أعم من المشيئة. فالإرادة الكونية: لابد من وقوعها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] والإرادة الشرعية: قد تقع وقد لا تقع، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ومع ذلك فإن من الناس من يقع في العسر ويدع اليسر، مع أن الله أراد بهم اليسر.


(١) أخرجه أحمد برقم (٢٦٦٨)، والترمذي برقم (٢٥١٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>