أن يعده لعده، فهو كلام فصل بيِّن واضح. فهاتان جملتان تامتان واضحتان، بينتا المقاصد، ولأجل هذا لم يجد معاذ ﵁ عِيَّاً في فهمهما.
قوله:"قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا" " البشارة: هي الإخبار بالأمر السار، فمعاذ ﵁ وجد في نفسه رغبة في إدخال السرور على بقية المؤمنين، ببشارتهم بهذه البشرى، وهي: أن الله لن يعذب من لا يشرك به شيئاً، ولكن النبي ﷺ منعه من ذلك؛ حتى لا يتسرب إلى بعض النفوس نوع اتكال، يورث مللًا وكلالة، فيدعوا التنافس في الطاعات، والترقي في الدرجات، فإنهم إذا وقع في قلوبهم أن من سَلِم من الشرك سَلِم من العذاب، تركوا التنافس في الخيرات، والمبادرة إلى الصالحات، والاجتهاد في العبادات، فلذلك نهاه عن إخبارهم لئلا يعتمدوا على ذلك، ويدعوا التنافس في الأعمال الصالحة.
مناسبة الحديث للباب:
واضحةٌ جليةٌ، وهي بيان أن حق الله على العباد: أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، وهذا هو التوحيد.
فوائد الحديث:
١ - تواضع النبي ﷺ من جهتين: الإرداف، وركوب الحمار.
٢ - جواز الإرداف على الدابة، إلا أن يشق عليها، فإنا مأمورون بالإحسان في كل شيء، ولهذا نجد أن النبي ﷺ حينما أفاض من عرفات شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، وكلما أتى حبلاً من الحبال (١) أرخى لها قليلاً حتى تصعد (٢)، فهذا من الرفق بالحيوان.
٣ - أن من طرق التعليم الناجحة، الطريقة الحوارية، والسؤال والجواب؛ لأن ذلك أدعى لحضور الذهن.
(١) الحبال هنا بالحاء المهملة المكسورة جمع حبل وهو التل اللطيف من الرمل الضخم. شرح النووي على مسلم (٨/ ١٨٧). (٢) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ برقم (١٢١٨).