للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الثاني: دعاء المسألة: وهو الغالب عند الناس، وهو أن يسأل العبد حاجة من ربه من جلب مصلحة، أو دفع مضرة، فيقول: اللهم ارزقني، وعافني، واشفني، وانصرني، وأجبرني، ونحو ذلك، واللائق بهذا النوع من الدعاء: أن ينتخب الداعي الاسم المناسب لمسألته فيدعو به، فيقول: يا رزاق ارزقني، ويا جبار أجبرني، وهكذا، فيأتي بالاسم المناسب، للطلب.

والعلاقة بين النوعين (دعاء العبادة، ودعاء المسألة): أن دعاء العبادة يستلزم دعاء المسألة، ودعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، فمن أقر لله بالعبادة، فلازم ذلك أن يفرده بالمسألة؛ قال إبراهيم : ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٨، ٤٩] لأنه لما وحّد الله بالعبادة وحّده بالدعاء: أن يهب له، فوهب له إسحاق ويعقوب، ودعاء المسألة متضمنٌ لدعاء العبادة؛ لأنه لو لم يكن معتقداً بأن الله هو القادر على إجابة الدعوات، وكشف الكربات، لما دعاه.

والدعاء عبادة عظيمة، كما جاء في الحديث: "ليس شيئاً أكرم على الله من الدعاء" (١)، وفي الحديث أيضاً: "إنه من لم يسأل الله يغضب عليه" (٢)، وقد قال الناظم في ذلك:

اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ … وَبُنَيُّ آدَمَ حِيْنَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ (٣).

فالآدمي إذا طلبت منه شيئاً مرة ومرتين، تبرم، وتضايق، وقال: أزعجتنا، وأقلقتنا، وأما الرب -سبحانه وبحمده- فإنه إذا لم يدعه العبد غضب عليه، كما في الحديث السابق.

وليعلم: أن أي دعوة لا ترد، فقد جاء في الحديث: "ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم،


(١) أخرجه مسند أحمد ط الرسالة برقم (٨٧٤٨) وقال محققو المسند: "إسناده قابل للتحسين من أجل عمران -وهو ابن داور القطان-، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح".
(٢) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الدعوات برقم (٣٣٧٣) وحسنه الألباني.
(٣) البيت مما نشده الأصمعي في الدر الفريد وبيت القصيد (٢/ ٤٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>