السابعة: أن النبي ﷺ لم يعذرهم الأمر؛ بل رد عليهم بقوله:"الله أكبر! إنها السنن، لتتبعن سَنَن من كان قبلكم" فغلّظ الأمر بهذه الثلاث.
مراد المصنف ﵀ بقوله:"إن النبي ﷺ لم يعذرهم" أي: لم يقرهم على ما فعلوا، وإنما أنكر عليهم، وأغلظ في النكير، فقال:"الله أكبر! " وفي رواية: "سبحان الله! إنها السنن؛ لتركبن سنن من كان قبلكم" فالنبي ﷺ أنكر عليهم بهذه الطرائق: كبر أو سبح، وأخبر بأن هذا من السنن، وأنهم ركبوا ما ركب غيرهم من أهل الكتاب، ففي هذا عدم إقرار منه على هذا القصد، فضلًا عن العمل.
الثامنة: الأمر الكبير -وهو المقصود-: أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل؛ لما قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨].
سماه الشيخ كبيراً لمشابهته لطلب بني إسرائيل، الذين طلبوا من موسى ﵇ أن يجعل لهم إلهاً، كما للمشركين آلهة، وهذا أمر عظيم مستفظع، حيث قال موسى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فالنبي ﷺ نظّر بين مقالة الصحابة، حدثاء العهد بالكفر، ومقالة أصحاب موسى، مع وجود الفارق؛ إذ أن أصحاب محمد ﷺ طلبوا ما فيه شرك أصغر، بينما طلب أصحاب موسى ما فيه شرك أكبر.
التاسعة: أن نفي هذا من معنى: "لا إله إلا الله"، مع دقته وخفائه على أولئك.
نفي هذا ومنعه هو مقتضى: لا إله إلا الله؛ إذ أن معنى: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله، وتعلق هذا التبرك بالتوحيد أمر قد يخفى؛ لأنه دقيق، فلا يتاح لكل أحد أن يدرك أن التبرك بالشجر والحجر ينافي مقتضى: لا إله إلا الله، إذ لا يربط بعض الناس بين مسألة التبرك بالشجر والحجر، وكلمة التوحيد، لكن النبي ﷺ عد ذلك من مقتضاها وفروعها. ولهذا جعل المصنف هذا الباب وأمثاله شرحًا عمليًا لتفسير التوحيد والشهادة.