للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قوله: ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله﴾ جاء في تفسيرها حديث عدي بن حاتم الذي سيورده المصنف لاحقاً، في باب مستقل، وكان عدي بن حاتم ركوسياً (١)، وهم طائفة من النصارى، فدخل على النبي وفي عنقه صليب من ذهب، والنبي يتلو هذه الآية، فقال: يا رسول الله، إنهم لم يكونوا يعبدونهم! ظن أن العبادة لا تكون إلا بالركوع والسجود، فقال: "أجل، ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه، فتلك عبادتهم لهم" (٢)، فبيَّن أن منحهم حق التحليل، والتحريم، والتشريع، من اتخاذهم أرباباً من دون الله لأن ذلك من خصائص الربوبية، والألوهية. فالحكم لله، فهو سبحانه الذي يأمر وينهى، ويحلل ويحرم ويشرع، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] فالتشريع لا يكون إلا لله ﷿، فمن جعله لغير الله، فقد وقع في شرك الربوبية، حيث أعطى ما ينبغي لله ﷿ لغير الله.

قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ أي: واتخذوا المسيح بن مريم ربًا، وهم يصرحون بذلك لفظاً، فيقولون في كتبهم وقدَّساتهم: الرب يسوع المخلص!.

قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدً لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ إي: أنهم ما أمروا إلا بتوحيد الله، ويشهد لهذا قول الله ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].

لكن هاتين الطائفتين أفسدتا دينهما، فإن موسى أتى بالدين القويم، وهو توحيد رب العالمين، ونبذ الشرك، حتى إنه غضب أشد الغضب حينما رجع ووجدهم يعبدون العجل، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وغضب عليهم حينما قالوا له: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ *


(١) الرَّكُوسِيَّةُ، بالفتح: قومٌ لهم دينٌ بين النَّصارى والصَّابئين، ورويَ عن ابن الأعرابِيِّ أَنّه قال: هذا من نعت النَّصارى، ولا يعرَّب. تاج العروس (١٦/ ١٣١).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم (٢٠٣٥٠) والطبراني في المعجم الكبير برقم (٢١٨) وبنحوه في سنن الترمذي ت شاكر في أبواب تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة برقم (٣٠٩٥) وحسنه الألباني.

<<  <  ج: ص:  >  >>