للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من (بريء) فكأنه جعل نفسه ظرفاً ومحلاً للبراءة، وكأنه استحال بأكمله إلى براءة من المشركين.

قوله: ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ تبرأ من معبوداتهم، وقد كانوا في أرض حران يعبدون الأفلاك السماوية، كالمشتري وزحل، ويتخذون لها الهياكل الأرضية، ويصورون لها التماثيل، والنصب، والأصنام، وكان إبراهيم بمدينة بين النهرين، يقال لها: أور، في زمن الكلدانيين، فأعلن بين ظهرانيهم بلبراءة من هذه المعبودات، وحاجَّهم في مواقف مشهودة.

قوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ المستثنى هو الله تعالى؛ ولهذا استنبط العلماء أن قومه كانوا يعبدون الله؛ لأنه تبرأ من جميع معبوداتهم، واستثنى ربه ﷿، هذا إذا قلنا: إن (إلا) على وجهها، وأن الاستثناء متصل. وأما إذا قلنا: إن الاستثناء منفصل، فإن (إلا) تكون بمعنى (بل) أي: بل الذي فطرني، وحينئذٍ فالآية على هذا التوجيه لا تدل على أنهم كانوا يعبدون الله، بل كانوا يعبدون الأصنام فقط، وكلا التفسيرين له وجه. والأقرب -والله أعلم- أنهم كانوا يعبدون الله، ويعبدون معه غيره؛ ولذلك لم تنفعهم عبادتهم لله تعالى؛ لأن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، كما قال تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه" (١).

قوله: ﴿فَطَرَنِي﴾ أي: ابتدأ خلقي؛ لأن الفطْر معناه: ابتداء الشيء.

قوله: ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ وهذا من كمال ربوبيته الخاصة بالمؤمنين، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]، وهكذا موسى لما قال أصحابه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]. وهكذا حال المؤمن فإنه يعلم أن الله تعالى هو الذي يهديه إلى طريق الحق الحسي والمعنوي.

مناسبة الآية للباب:

لما فيها من بيان معنى: (لا إله إلا الله) فإنها تضمنت البراءة من الشرك في


(١) سبق تخريجه.

<<  <  ج: ص:  >  >>