(وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك) لا وجوبا ولا استحبابا بل هو مكروه عند مالك، والإلحاح الإكثار وهو ملازمة التلبية حتى لا يفتر عن ذلك وكما أنه لا يلح لا يسكت حتى تفوته الشعيرة (فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى) لما في حديث ابن عمر السابق: «أنه كان إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي الصبح ويغتسل ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك»(١)، (ثم) بعد فراغه من الطواف والسعي (يعاودها)؛ أي: التلبية ويستمر على ذلك (حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها) وفي المذهب ثلاث روايات:
الأولى: وهو مذهب المدونة إذا زالت الشمس وراح إلى الصلاة، وهي التي رجع إليها مالك وثبت عليها. قال ابن الجلاب متمما لهذه الرواية: إلا أن يكون أحرم بالحج من عرفة فيلبي حتى يرمي جمرة العقبة.
والرواية الثانية: رواها أشهب إذا راح إلى الموقف.
والرواية الثالثة: إذا زالت الشمس، وقال اللخمي والباجي أيضا: أنه يلبي إلى جمرة العقبة، وبذلك ورد حديث رواية مسلم (٢).
قلت: وقد رجحنا هذا القول في كتابنا العرف الناشر فلينظر والله أعلم.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: اعلم أن الصحيح الذي قام عليه الدليل، أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة، وقال بعض أهل العلم حتى رميه إياها، والدليل على أن هذا القول هو الصواب دون غيره من أقوال أهل العلم هو ما ثبت من حديث الفضل بن عباس له «أن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة»(٣) وقوله: حتى بلغ الجمرة هو وقت الشروع في الرمي.
(١) مالك في الموطأ (٢/ ٣٠٤)، والبخاري (١٥٧٣)، ومسلم (٣٠٣٤). (٢) منسك خليل (٤٤). (٣) البخاري (١٢٨١)، وصحيح مسلم (٣٠٧٦).