بيد أن هجومه الأعنف شنه على قضاة عصره، وقد رأى فيهم أس الفساد المستشري من استيلائهم على أوقاف المسلمين، وهم من عليه حمايتها ورعايتها، والخضوع لمآرب السلطان، وهم من عليه نصحه وإرشاده، وتعاونهم مع التتار، وهم من عليه الدعوة إلى جهادهم، ثم استغراقهم في الفواحش من معاشرة الغلمان، وتعاطي الحشيشة، فأطلق لسانه فيهم متتبعا مخازيهم، كاشفا لها، نصحا للأمة، غير هياب ولا وجل مما قد تجره عليه عداوتهم له، وهم من ذوي الجاه والسلطان.
ويبدأ أول ما يبدأ بالقاضي جمال الدين يونس بن بدران المصري، وقد ولي القضاء للملك المعظم عيسى بن العادل، وتوفي سنة (٦٢٣ هـ / ١٢٢٦ م)، فيقول فيه:«لم ينقم عليه شيء في ولايته سوى أنه كان إذا ثبت عنده وراثة شخص لما وضع نواب بيت المال أيديهم عليه يأمره بمصالحة بيت المال، فيقتطع منه قطعة لبيت المال، وأما لنفسه فلم يشتهر عنه شيء من ذلك»(١).
ونقم عليه أيضا استنابته لولده التاج محمد، ولم تكن طريقته مستقيمة (٢)، بل كان ظالما مشهورا بالفسق (٣).
وهذا القاضي على ما فيه كان من أمثلهم، أما من جاء بعده فلم يكن له من القضاة إلا رسمهم، فها هو ذا قاضي القضاة رفيع الدين الجيلي الذي ولي القضاء للملك الصالح إسماعيل بن العادل، وقد قتل سنة (٦٤١ هـ/ ١٢٤٤ م)، فقد عرف عنه شربه للخمر (٤)، وظهر منه سوء سيرة وعسف وفسق وجور، ومصادرة في