[أبو شامة يفضح فساد الأوقاف ويدعو طالب العلم للعيش من كسب يده]
في هدأة العزلة الجديدة، وبعد أن سكت عن أبي شامة الغضب، وسكنت نفسه، جلس بين أوراقه يتأمل تجربته في التعلم والتعليم من مال الوقف، منذ أن كان طالب علم في المدرسة العادلية الكبرى، حتى غدا مدرسا في مدارس الشافعية، ثم اعتزاله عنها فيما بعد، مستعرضا في خياله من عاصرهم من القضاة، وهم المتولون عادة للأوقاف مع أمراء دمشق ونوابها، متوقفا عند بعضهم ممن جعل الوقف مغنما له، ولمن يلوذ به من المتزلفين، ولم يغب عن باله قط تلك المكيدة التي استبعدته عن مشيخة الإقراء في تربة أم الصالح، وقد اعتصم يومئذ بالصبر على ما لحقه من غبن، وأنف أن يتزلف لذوي الجاه والسلطان ممن بيدهم الأمر، وآثر الانصراف عنهم منكبا على تأليفه الفقهية والتاريخية، يحررها بما عرف عنه من إحاطة وشمول واستقصاء لمسائلها وشواردها، قانعا بالقليل يتبلغ به حفظا لكرامته.
غير أن فساد الأوقاف وصل إلى حد لا يمكن السكوت عنه، ولا سيما وهو المسيطر على نواحي التعليم كافة، حتى غدا طالب العلم أشبه بالأسير بين يدي المستولين عليه، لا يكاد يجد منهم فكاكا، ولم يعد يستفيد من الوقف إلا ذلك المتملق لهم بالمديح الكاذب، والكلام المنافق الساعي في حوائجهم، البائع دينه