بعرض من الدنيا قليل، أما العالم حقا، المشغول بالعلم تدريسا ومدارسة فهو مجفو عن مال الوقف، لا يناله منهم إلا قوارص القول والهجران.
فكيف الخلاص من قبضة الذل والظلم هذه؟ وما هي سبيل العالم إلى حياة حرة عزيزة؟
لقد لاح لأبي شامة منذ سنين طريق الخلاص، وسار فيه حين آثر الابتعاد عن ذوي الجاه والسلطان والقضاة، ولم يطأطئ لهم رأسه، واعتزل في بستانه يفلح أرضه ويزرعها، ويتقوت من ثمارها، لقد ودع الفقر الذي كان يكابده مع أسرته، ووجد الفلاح في الفلاحة، فها هو بيته يفيض بالغلال والثمار، وبابه ملجأ لطالبي الصدقات من فقير وأرملة ويتيم، ويعاتبه المعاتبون على انقطاعه عن التدريس بالمدرسة الركنية، لقد ظن حين قبل التدريس بها أن الأمر قد تغير مع العهد الجديد، وأن القاضي ابن خلكان يسعى حقا إلى إشاعة العدل وإزالة الظلم عن الناس، وكذلك كان أمله يتجدد مع كل قاض جديد، غير أن الأمل الوليد سرعان ما كان يخيب! ..
ويبدو أن طريق خلاصه هو الطريق لكل العلماء، عليهم أن يسلكوه، ويتخذوا لأنفسهم حرفة يتعيشون منها، وتكون عونا لهم على حفظ كرامتهم، وصون حريتهم من ابتذال المبتذلين، وظلم الباغين، وأي حرفة أحل كسبا من الفلاحة؟
فليطلقها صيحة ونصيحة لكل طالب علم أن يتحرر في رزقه من ذل السؤال، وأن يتخذ حرفة يعيش منها، فإن للعلم منزلة عظيمة، فعليه ألا يهينه بالاتكال في رزقه على مال الأوقاف، فهو مال لا يناله إلا شرير نذل جاهل، يلزم خدمة أكابر القوم متزلفا لهم متملقا، عاكفا على إرضائهم بكل سبيل.
حقا كان للأوقاف شأن كبير في نشر العلم والتعليم، أما الآن فقد تولاها قهرا ودون استحقاق جهال حمقى، فهم لا يقربون إليهم إلا من هو على شاكلتهم في الجهل والحمق، فيجعلونه في موضع الفقيه والمرشد، وأصحاب الأوقاف الذين