لعل أبا شامة قد شعر بشيء من الرضا، وهو يقضي أيامه في دار الحديث الأشرفية، وقد تصدر لمشيختها، ومع أوراقه وهو يكتب فيها فتاويه عما يرد إليه من أسئلة، وهو مفتي الشام.
وكانت قصيدته الفلاحة الرائية قد أثارت عليه عداوة القضاة والعلماء، وكل من له صلة بالأوقاف، فراحوا يتربصون به، ولربما زاد من عداوتهم له استمراره في الحملة عليهم، وها هو الآن ينبز القضاة الجدد بالجهل والظلم، إذ ليس فيهم من يبت الحكم علما أو يسوس (١)، ساخرا منهم ومن ألقابهم التي أضافوها إلى الشمس، وهم ظالمون مظلمون في أحكامهم (٢).
ولم يكن أبو شامة يأبه حقا لما يثيرونه ضده من عداوة، فهو مطمئن إلى أن ما يقوم به إنما هو حق العلم عليه، أن ينصح للأمة، ويصدع بالحق، لا تأخذه في ذلك لومة لائم، وقد توكل على الله، فهو حسبه من كيد الكائدين.
ولربما يدل على رضاه واطمئنانه تلك المنامات التي رئيت له في هذه الأيام، وقد سطرها في «مذيله»، فهو تارة في ثياب بيض، أو في دار واسعة مبيضة، أو في بستان كبير، في وسطه بركة ماء مد البصر، تنبع من عين فيه.