وبريشة مرهفة، وبذاكرة لا تفوتها أدق التفاصيل، رسم لنا أبو شامة بكلمات حية صورة لجامع دمشق، ومن كان فيه من العلماء والزهاد في سني صباه.
ففي منارته الشرقية كان يسكن في إحدى غرفها الشيخ الزاهد عبد الرحمن اليمني، وقد لاحت في وجهه أنوار الخير، وهو أحد المشايخ الصداعين بالحق عند الملوك، وقد وقف مرة أمام السلطان العادل أبي بكر بن أيوب ينكر عليه تهاونه في حفظ الثغور حين هاجمها الفرنج (١).
وفي زاويته الغربية - حيث أقام ذات يوم الإمام الغزالي - كان يسكن الشيخ بيرم المارديني، وهو شيخ صالح، محب للعزلة والانفراد، صابر على الفقر والجوع، كثير الصيام والمجاهدة (٢).
أما في مقصورة الخضر في الجهة الغربية منه، فقد كان يقف مصليا قبالة
(١) «المذيل»: ١/ ٣٥٩ - ٣٦٠، ٣٧٧. وكان العادل قد عقد هدنة مع الصليبيين في (١٤) شعبان سنة ٥٩٤ هـ/ ٢١ حزيران سنة ١١٩٨ م) تم الاتفاق فيها على أن يحوز الفرنج على جبيل وبيروت، وأن يقتسما مدينة صيدا، ومدة الهدنة خمس سنين وثمانية أشهر. انظر «المذيل»: ١/ ٧٨، و تاريخ الحروب الصليبية لرنسمان: ٣/ ١٨٠، وكتابي «ما بعد صلاح الدين». (٢) «المذيل»: ٢/ ١٩ - ٢٠.