ويسوقني الحديث في «المذيل» إلى الكلام عمن تكلم فيهم أبو شامة، فعلى عادة علماء الجرح والتعديل في تبيين حال رواة الحديث، وما يليق بهم من توثيق أو جرح، كان أبو شامة يبدي رأيه الصريح فيمن يترجم له، صادعا بالحق، وأداء لأمانة العلم، غير عابئ بما قد يجره عليه ذلك من تنكر الأصدقاء، وشنآن الأعداء، وقد تلقى أقواله بالقبول من جاء بعده من المؤرخين إلا من شذ منهم لغرض في نفسه كما سنبين فيما بعد، حتى إن الإمام الذهبي، وهو مؤرخ الإسلام في عصره، عده في طبقة من يعتمد قوله في الجرح والتعديل (١)، وذلك لما عرف عن أبي شامة من علم غزير يوصله إلى الحق، وورع كبير يحجزه عن الباطل.
وقد كان أبو شامة واعيا تمام الوعي لما تمليه الأهواء من حسد، أو مخالفة في مذهب أو عقيدة من انحرافات تخرج المؤرخ عن جادة الصواب، لتلقي به في مهاوي الخطأ، فكان يتحرى ما استطاع حال المترجم، مهتديا فيما يقول فيه بقاعدة أصلها لنفسه، ووضعها نصب عينيه، وهي أنه لا ينبغي أن يسمع فيمن ثبتت فضليته
(١) رسالة «ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل: ص ٢٢٤، اعتنى بها الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وطبعت ضمن كتاب «أربع رسائل في علوم الحديث»، مكتب المطبوعات الإسلامية، ط ٥/ ١٩٩٩ م.