للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

حبسوها يظنون أن ما يفعله هؤلاء هو عين الصواب فيثنون عليهم، ويمدحونهم، فيزدادون تماديا في ظلمهم، وهم يحسبون أن كل عالم هو على شاكلتهم، فيضيع الحق بين صاحب الوقف ومتوليه، أما طالب العلم حقا فيقصى عنه، ويضيق عليه في الرزق، حتى يصبح من فقره ميتا قد أسكن قبرا، وهم من قسوتهم لا يرقون لحاله، قد أسكرهم ضلالهم وظلمهم، فعماهم عن رؤية الحق.

فيا طالب العلم، عليك باتخاذ حرفة تعيش منها، وإياك أن تحتقرها وتتكبر عليها، وارض بما ترزق منها ولو كان قليلا، واشكر الله على ما رزقك، فبالشكر تزيد النعم، واترك الأوقاف والمتولين لها، وتجنب أفعالهم الظالمة، وتوكل على الحي الذي لا يموت.

وكن أبيا يا طالب العلم، أما تأنف أن يكون عيشك مما يزري بك؟ فالأوقاف هي أوساخ الناس، كوقف المقعدين الزمنى، والعميان، والمساكين واليتامى، فكيف تطيب نفسا بالأخذ منها، وأنت لست منهم؟ فدع العجز والكسل أيها الأبي، فليس لك عذر في الأكل منها، فلا تزاحم المحتاجين إليها، وإن ألجأتك ضرورة إليها، فخذ منها كفافا، بقدر ما تقيم به أودك، واعزم على أن لا تدوم على ذلك.

وإياك أن تظن أن مال الوقف يساعدك في طلب العلم، لقد نبغ في الأمة أئمة كبار قبل أن يشيع حبس الأوقاف، ويستقر نظاما ثابتا، له ديوان ومتولون، ولم يكن ذلك مانعا لهم من طلب العلم والتفوق فيه.

فكن يا طالب العلم معطيا لا آخذا، فيد المعطي هي الأعلى والأرفع قدرا.

ثم إن صدقات الأوقاف ينفر منها كل أبي عزيز النفس، ولو أتته صفوا عفوا، بريئة من كل منة وأذى، فكيف لا ينفر منها من لا ينال النزر اليسير منها إلا بذل السؤال، وإراقة ماء المحيا؟

* * *

والوقف لم يعد مجرد صدقات تعطى، بل صار منصبا، وهذا المنصب يباع

<<  <   >  >>