وهذا ما يفسر لنا غياب حوادث مهمة عن تاريخه لم يدونها، بل إنه لم يستقص ما دون فيها، مما يجعل القارئ لتاريخه لا يحيط بالحدث إحاطة تامة ما لم يرجع فيه إلى غيره من المؤرخين.
وهذا ما يفسر لنا كذلك غياب تراجم لأعلام كبار كانوا في عصره، أمثال الشاعرين الكبيرين فتيان الشاغوري وابن عنين، والمؤرخ الكبير ياقوت الحموي، والملك الأمجد بهرام بن فرخشاه صاحب بعلبك، وغيرهم. ومن يفقد تراجم هؤلاء في تاريخه من المؤرخين والباحثين يتعجب (١) حقا من ترجمته لأناس لا تلتفت إليهم عادة كتب التاريخ، من أمثال محمد بن خليل الأكال، وعلي المغسل القباقبي ويوسف القميني (٢)، ويستغرب وقوفه مطولا أمام بعض الحوادث يفصل القول فيها في صفحات كحادثة صلب الفتى التركي (٣)، مغفلا حوادث قد تكون أعظم منها، بل يبيح لنفسه فيه أن يبوح بما لا يباح به عادة في كتب التاريخ من حبه لزوجته، وتغنيه بصفاتها بقصيدة طويلة (٤)، أو ببثه شكواه مما يعانيه من بعض معاصريه من اغتياب وحسد وإهمال (٥)، تاركا أحيانا دموعه تتقاطر كلمات، وهو يتوجع لفقد أصدقائه وأحبابه (٦).
لقد كان أبو شامة فيما يكتب صادقا مع نفسه، فهو لا يكتب إلا ما يراه ويحس به، حتى لنكاد أحيانا أن نرى عصره من خلال عيونه ومشاعره، ونتحسس معه أوجاعه وأحزانه، وأفراحه وآلامه، ونعيش مع علمائه العاملين، وحكامه الفاسدين، وقضاته
(١) انظر «البداية والنهاية» لابن كثير (وفيات سنة ٦٢٨ هـ) ترجمة الأمجد. (٢) انظر تراجمهم على التوالي في «المذيل»: ٢/ ١٤٧، ٢١٣، ١٣٦. (٣) انظر مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، مج ٥/ ٣/ ١٤٤، و «المذيل»: ٢/ ٨٥ - ٨٨، وص ١٥٥ من هذا الكتاب. (٤) «المذيل»: ٢/ ١٢٠ - ١٢٢، وص ١٩٣ من هذا الكتاب. (٥) «المذيل»: ١/ ١٥٠. (٦) «المذيل»: ١/ ٢٢٣، ٢/ ١٤ - ١٥.