للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الأتقياء والمرتشين، وزنادقته الإباحيين، وناسه البسطاء، وزهاده الأنقياء، بل نمشي معه في أزقة دمشق وحاراتها، ونتعرف معه إلى مدارسها ومساجدها، وأسواقها وقيسارياتها، وندخل معه جامعها الكبير، ونجلس بحلقته مع شيخه السخاوي، ونسكن في العادلية حيث كان يسكن، ونصلي معه في محرابها حيث كان يصلي.

لقد أودع أبو شامة في أخباره وتراجمه هذا الإحساس الشفاف الذي نفتقده عند غيره من المؤرخين، ومن لم يعايش أبا شامة فيما كتب وأحس سيجد متسعا للقول فيه، وسيردد مع الأستاذ محمد كرد علي قوله فيه: «وتراجم من ترجم لهم غير مستوفاة على الأكثر، بل يورد الاسم وشيئا من عمل صاحبه ووفاته. ويلاحظ عليه أنه ذكر مولودا، بل أولادا ولدوا له، وغلاما مات، وابنا له توفي، وأمه التي توفيت، وأخبارا في خصوصيات بيته ونفسه مثل صلاته على جنائز بعض المشايخ مما لا يدخل في كتاب يكتب للأمة، كما أنه ذكر بعض المؤذنين أو المعدلين أو التجار الذين لا شأن لهم، وكان الأولى أن يترفع تاريخه عن اسمهم، وقد أطال في أشياء لا تهم التاريخ بحال، مثل قصة الصبي التركي المصلوب كتب فيها أربع صفحات، وحقها أن تكتب بأربع كلمات، أو تحذف لأنها خالية من الفائدة على ما رأيناه» (١).

ولعمري، أي عالم جميل كان سيغيب، وأي إحساس مرهف كان سيضيع، وأي صورة نابضة بالحياة كانت ستتلاشى لو أن أبا شامة كتب تاريخه وفق هذا المفهوم الضيق للتاريخ، الذي يستبعد تاريخ الناس، ويقتصر على تاريخ الحكام، حتى إننا في كثير من صفحات تاريخنا نرى حكاما في قصور يحكمون مدينة من الأشباح، وتراجم العلماء، وهم منكبون على تأليفهم كالتماثيل، لا تسمع منهم نبضة قلب، ولا تحس دفء شعور.

وإذا كان التاريخ حقا هو التأريخ لتجربة الإنسان، لا لوقائع السلاطين وأحداثهم فحسب، فإن أبا شامة هو بحق من أوائل من جسد هذا المفهوم الرحب للتاريخ.


(١) مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق: مج ٥/ ٣/ ١٤٤.

<<  <   >  >>